ان سيطرة حلقة صغيرة على حكم في غفلة من الزمن لا تعني ان الدولة هي التي فرضت ذلك . و ما شهده العراق طوال ثمانية عقود و نيف من التناقضات و عدم الاستقرار( الا في عهد الملك لحدما ) وما الت اليه حاله بعد جبروت نظام حكم لحلقة غير معروفة و لم يكن بامكانه ان يدوم الا بالقوة الغاشمة، فافضى ما كان فيه الى الفوضى بعد مغامرات رئيسه، و اليوم لا يمكن ان يعيد نصابه الا بما يتمتع به من السمات و الخصائص التي تفرض نفسها عليه و تجعله ان لا يحتمل غير الصحيح، سواء كانت من الناحية الاجتماعية ام التاريخية و الحضارية او السياسية الخاصة به . و لسوريا ذات الشان، لا يمكن ان تستمر في ظل عدم التكافؤ بين فئات الشعب جميعا و هي سائرة على التسلط الفوقي لمجموعة استمرت في حكمها عقود دون استرضاء او قناعة الجميع، و ان اعتبره البعض اهون الاشرار، و شهدت سوريا اياما لم تمر على اية دولة اخرى، نتيجة عوامل تهيمن على الوضع السوري بشكل مباشر دون غيرها، و منها؛ تعددية مكونات الشعب و تاريخ سوريا المتلاطم، و موقعها الاستراتيجي و تغيير امكاناتها و ما لعبته من الادوار في المنطقة كدرأ من الاخطار و تغطية لنواقصها الداخلية .

اليوم بعدما ارتفع موقع المذهب و المكون اهمية في فرض السلطات في المنطقة من خلال الصراعات المختلفة التي تجري، فان حكمت شلة و سيطرت، لا يعني هذا انها قادرة على الاستمرار و انها كانت تعرض امن البلد و استقراره لاكبر خطر من اجل بقائها، لكونها غير منسجمة الحال و تبني على القوة و القمع في السيطرة على الامر . و تعتبر سوريا اليوم اضعف دولة من الناحية السياسية الاقتصادية حتى و ان استبعدنا عنها الحرب الداخلية، لانها يهمها الا بقائها فقط .

 كما شاهدنا في لحظة خاطفة تهاوت السلطة العراقية و لم تقدر المقاومة ولو بسيطة لاقصر فترة . المعلوم عن ايران مهما ادعت بايمانها المذهبي الديني الا انها تعمل وفق ما تفرضه القومية و متطلباتها للسلطة، و كما فعلت و اصدرت من المواقف حيال تغيير الحكم في العراق و تنازلها عن المالكي لمجرد تيقنها من الحفاظ على مصالحها، فانها تعيد الموقف ذاته الف مرة، و في مقدمة ما تفعل هو موقفها من السلطة السورية لو علمت ايضا انها لا تخسر موقعها في سوريا او تحفظ على ماء وجهها على اقدر تقدير بعدما تقدمت خطوات في مفاوضاتها النووية مع امريكا . فالمعروف عن ايران انها قومية مصلحية بغطاء المذهب الذي يمكنها ان تخدع الشعب به و ليست بقادرة على ضمان الحكم المستقر المتوافق بين مكوناتها العديدة التي ان بدات شرارة التغيير و حان وقتها لا يمكن ان تصدها قوة ايران مهما تجبرت .

ان كانت لايران نقاط ضعف لا يمكنها تلافيها لحد اليوم، سواء من الناحية الفكرية او السياسية و هي تسير على التوازن الذي تعمل على بقائه لصالحها بشتى الطرق و منها الترهيب و الترغيب و الخداع و التضليل .

البديهية التي تفرض نفسها في الشرق الاوسط هي، لا يمكن ان تستمر السلطة التي تستند على حلقة ضيقة او مجموعة او حزب او اقلية تفرض نفسها على جميع بلدان المنطقة و سوريا من ضمنها الى الابد، لذا لا يمكن ان تعتمد سوريا على فئة معينة و تعتقد بانها سائرة في الحكم و تخرج من الورطة التي وقعت فيها . الحيَل التي تتبعها ايران في طريقة خوضها للصراع في المنطقة و استنادها مذهبيا لا يمكن ان نعتقد بانها لا تواجه عرقلة تنبثق قريبا و تردها، و تحصل هذه بتغيير الواقع الموجود حاليا . اما وضعها الداخلي فانها تنتظر الشرارة فقط فليس بحال يمكن الاعتماد عليها في مقاومة ما يحصل لها في لحظة ما .

ان ما وصلت اليه سوريا لا يمكن ان ننتظر غيره وهو اما السلطة الحالية بما فيها او التغيير، و لا يمكن التوافق كما يدعيه البعض من المعارضين او الدول التي تهمه السلطة الحالية اكثر من الشعب السوري . فسوريا اليوم مقسمة على الارض، فالسلطة علوية و تحكم في مناطق ذات الكثافة العلوية اكثر من غيرها، و الكورد لهم كوردستانهم و مناطقهم الخاصة بكثافتهم السكانية ايضا، و الدروز في مناطقهم، و المناطق السنية اكثر سخونة، اما المعارضة المتنوعة فتعتمد كل منها على جزء و شكل من الاشكال وتريد منها مسندا و ارضية لاسقاط النظام و الوصول الى السلطة، و لا يمكن ان تسيطر ان تكون ضمن الاكثرية في تلك المناطق و تتوافق مع الاخرين .

ان كانت المعادلات الدولية هي التي اوقفت النظام على بقاءه الهش لحد اليوم، و ما يهم روسيا هو بقاء النظام اكثر من غيرها، الا انه عندما تتهاوى الاجزاء الكبيرة من البلاد لا يمكن لايران و روسيا ايضا ان تقف بقوة خلف النظام و تمنعا تلاشيه، و لا تتمكنا من اسناده و معاونته ايضا و يمنعا وصول المعارضين اليه، لانهما لا يمكن ان يبقيا على النظام في مساحة ضيقة جدا و يجعلوها دولة داخل دولة،  و هذا الواقع لا يمكن استمراره، و يكون مصيره الفشل، و يفشل النظام في المقاومة الى النهاية .

لذا، لا يمكن ان ننتظر غير السقوط المدوي لنظام السوري دون ان تتمكن ايران مهما حاولت ان تصد سقوطها بشكل يكون مخزي ليس لسوريا فقط و انما لكل من عاند و دافع عنها دون وجه حق و بعيدا عن مصلحة شعبها، لا يمكن لجبروت دولة مصلحية ان توقف انهيار الحكم الدكتاتوري في سوريا نتيجة صراع منطقة او معادلة ما او لدواعي الخلل الداخلي، مهما طال زمن بقاءه . و بسقوط سوريا تتغير المنطقة جذريا من كافة النواحي لما له من التداعيات المختلفة على الجوانب السياسية الاجتماعية و على الصراع المحاور بين الدول و العالم في المنطقة، و يمكن ان نعتقد بان نهاية النظام السوري هي اخر المطاف و نهاية مرحلة سياسية في المنطقة .