لماذا الشك في دولة العراق ؟

الدولة لها مقوماتها و خصوصياتها وفق اطر قانونية و معترفة بها، و لها على المواطن و عليها، لها سيادة لا يمكن خرقها في حالها الطبيعية و ادواتها ومؤسساتها تعمل استنادا على الصلاحيات لجزئياتها من جهة و صلاحيات الخاصة بمركزها من جهة اخرى، اي؛ مؤسسة قانونية عامة، دوليا معززة بتاريخها و سلوكها و امكانياتها وثقلها و لها مكانة خاصة بها في العالم لا يمكن ان تساوي اخرى للخصائص الخاصة بها بذاتها فقط . فالدولة كيان، مؤسسة و شعب معا .

الم يتمتع العراق بما تدعي ؟

كان و لازال بعض من سماته راسخة لم تتزحزح رغم التغييرات و الصعوبات و العراقيل امام ثباتها و منها اصالة الشرائح الكثيرة في مكوناته و اخلاقياتهم و صفاتهم التي وروثوها ابا عن الجد، هذا كشعب . الا ان الدولة لم تستقر في مكانها و تمايلت بتركيتبها و ببناها الفوقي و مازالت تتسم بثبوت بناها التحتي بشكل بين دون ان تتعاصر من المستجدات العالمية العصرية مما ابعدها عن مواكبة التغييرات العالمية، رغم غزارة ثرواتها الطبيعية . اي لم يعد العراق دولة مؤسسات او ربما لا يمكن تسميته بالدولة بمعناها الكامل كيانا و قانونا، اي شعبا و مؤسسة .

لماذا الخروج بهذا الشكل عن الحال الطبيعي ؟

انه لاسباب و عوامل عديدة، اختصارا؛ موقعه الاستراتيجي و غناه الفكري و تاريخه المليء بالمفاخر، مقابل طمع الطامعين في المنطقة اي الاقليم، مع العالم، به و بموقعه و مكانته و اختلاف مكوناته المساعدة على نجاح الاخرين او مسهلة لتحقيق اهدافهم و مراميهم .

ما المنفذ لدخول الغرباء و نجاحهم في تحقيق ما يهدفون ؟

عدم الانسجام جميع مكونات الشعب العراقي بالتراضي، ومسيرة الشعب دون قناعة تامة لكل الاطراف و المكونات، و ترابطهم او ربطهم بقوة فوقية غير مقنعة لذاتهم، اي؛ بالترهيب و الترغيب منذ انبثاقه كدولة معترفة بها في المحافل و المنظمات الدولية الرسمية . رغم ادعاء المثاليين لغير ذلك الا ان الارضية لم تساعد على بناء دولة منسجمة من الشعب المتراصف و المتراصي كيانا و تركيبا .

لما وجود المنفذ هذا ؟

انه التاريخ و موروثاته، و ما موجود من النفاق و عدم الوفاق و المحطات الخطيرة التي نخرت عقول البسطاء و ما يذكرها المتعصبين لمصالح ضيقة ليلا نهارا من اجل تنفيذ ما يؤمرون به، على خلاف ما يهم الشعب و مستقبله و مصالح مكوناته كافة .

ما اخطر مؤثر على بنيته الفكرية و التاريخية ؟

الغزو و الفتوحات الاسلامية و تصفية الخلافات المصلحية منذ صدر الاسلام على ساحته و ارضه و هذا ما ابتلى به هذا الشعب الذي عاش بهناء و علم و معرفة و حضارة عريقة قبل مجيء الشر الى عقر داره .

لماذا تخطى نفوذ الاخرين عتبة بابه تاريخيا ؟

طمع الاخرين بثرواته و امكانياته و موقعه و حتى قبل اكتشاف النفط، و صفاء اجواءه و مناخه و اغراءات ما افاد به نهراه الخالدان في الوقت الذي كان لهما ما افاد من طمع بالعراق من الراس الى القدم . اصبح ملتقى الشعوب و الاديان و المذاهب و الطرق الدينية، فاصبح مرتعا لمن اجتهد لكسب ود جزء من الشعب كما اصبح قبلة المنظرين و العارفين بامور الدنيا و الدين و المذهب و الذي احتوى في زمانه على ما يمكن ان نعتبره فلسفة و علم و معرفة و ما اغدقوا بنتاجاتهم العالم، و كان حقا مهدا للحضارات و سابقة لما اتت فيما بعد .

دعنا من الماضي، الان اين الدولة العراقية ؟

انها لم تعد دولة بالمعنى الكامل للكلمة و مضمونها الحقيقي، انها دولة مشوهة شعبا و مؤسسة، .

كيف ؟

الشعب مقسم و مختلف و معارض لبعضه، و الدولة غير موجودة من حيث السيادة و القانون و الحفاظ على النفس . انها دولة الاخرين بتمثيل الذات، اي يحكمه غيره و ينفذه و يضحي من اجل الاخر ابناءه باشكال و طرق مختلفة . الحاكم او يمكن ان نسميه السلطة الناقصة خارجيا و داخليا ؟

ماذا يعني داخليا و خارجيا ؟

السلطة في اي مكان هي ما تتسم به الجهة المخولة قانونا و امكانية و استحقاقا، اما هنا من يحكم هو المتنفذ ماوراء الستار سواء كانت له القوة و القدرة العقيدية او المصلحية . اي؛ لم تتحرك هذه الدولة دون استشارة عقيدية مذهبية داخليا و استشارة مصلحية و توجيهية للوالي الخارجي، سواء كان بعيدا مؤثرا ام قريبا و حتى يتدخل منفٌذا .

و هل من مثيل له اليوم ام في التاريخ ؟

اليوم ليس كمثله شيء . اي الوحيد الذي يحكم بهذا الشكل شكلا و تركيبا؛ سلطة و شعبا، قانونا و تطبيقا . اما تاريخيا، فيمكن ان نفكر في زمن اخذ الهنود و فرض عليهم سواء معيشتهم البائسة ام قوة محتليهم فرض عليهم ان يعيشوا كمرتزقة للقوى البريطانية و استخدموا في الحروب و المعارك التي دخلته بريطانيا عند استعمارها للدول، اما العراق فان شعبه يُستخدمون لتنفيذ اوامر الغير في داخله و هذا هو الفرق الوحيد بينه و بين هنود زمانهم . اي ما اقحم به شعبه من قبل الشعب نفسه و من له القوة عليه لا ناقة له فيه و لا جمل، و انما تصفية لحسابات الاخر المعتدي البعيد و القريب و الطامع لما فيه دون الاخذ بنظر الاعتبار مصلحة الشعب العراقي الذي يستحق الخير، و لكنه يُسرق في وضح النهار .

وكيف تمكٌن المصلحي من ذلك ؟

انه الفوضى الذي يعيشه العراق من كافة النواحي، و هي التي ادت الى ترسيخ الارضية ليتدخل من هب و دب بسهولة تامة في شؤونه، لا بل من يتدخل و هوغريب و دخيل و اصبح اصيلا في غفلة من الزمن و التاريخ المتقلب على نفسه .

ماهي العوامل و الاسباب التي ذكرتها و افادت الاخر في نجاحه في مهامه المصلحية ؟

عوامل تركيبية و تكوينية شعبية و مؤسساتية، سواء من حيث المناطقي او الديني او المذهبي . اي الفروقات التحتية والفوقية عقلا و ارضا من جهة . و استغلال الفوضى التي حدثت في برهة من الزمن بعد التغيير المفاجيء لاعتى دكتاتور و ما استقدم ما حدث ما بعده من الامور الذي لم يتوقعها احد من جهة اخرى .

و اين اخطا الشعب العراقي ام المسبب هو الجديد غير المتكامل ؟

لم يخطيء الشعب العراقي بمكوناته بمعنى الكلمة للخطا نتيجة اختلاف مكوناته عن البعض فكرا و كيانا اي توجها و ايمانا . بل مسح الموجود من مقومات الدولة وفرت الارضية و العوامل التي ساعدت على مجيء الجديد الناقص و غير المنسجم تاريخيا مع العراق، و الذي كان من المفروض ان يواكب تقدما و تطورا مع ما يحصل في العالم، فمنعه الدكتاتور من قبل عن ابسط عوامل التطور و قيد العقول المبدعة للشعب لمصالح سياسية ضيقة و قحٌة، ابتدع فيها كل ما يمت بكتم الصوت وغلق العقل و منع الحركة عنهم . و غير منهجه وفق ما تطلبت مصالحه و ما ساهم على بقاءه على المنصة مهما بلغ الامر من افراز السلبيات و ما علق العقل بالخرافات و التخلف، مرة باسم الاشتراكية المزيفة و اخرى باسم حملة التدين و استغلال العقول البسيطة و اشغالهم دون النظر الى المسالة الحقيقية و ما منعهم عن التطور و مواكبة العالم . انه المانع الحقيقي لمسيرة العراق التاريخية، انه الدكتاتورية البغيضة التي قلب العراق على عقبه و ضحى به الدكتاتور ارضا و تاريخا و حضارة و علما و معرفة من اجل شخصه الوحيد الغريب الاطوار فقط .

لماذا تحول الى دولة مذهبية اذا؟

ان الشعب في اساسه منقسم دون ان يعلن عن نفسه مهما ادعى البعض من الانسجام، و اليوم اظهر على حقيقته رغم ما تفاعل و اختلط بعض الشيء . فاليوم الشعب بذاته يجلد نفسه يوميا و يقاضي تاريخه الخاضع للدكتاتورية و هو لم يحرر نفسه الا بتدخل خارجي كبير . فان العقيدة والداخل الانساني المسيطر على النفس العراقي بكل مكوناتهم ادى الى حال اصبحت الساحة العراقي مرتعا ليعيش فيه بلامبالاة، فيتحول عقلا و مبدئا و ينعكس ايمانه بما يؤمن على الحركة و التوجه لديه، اذا؛ المذهبية هي التي كانت الامر الناهي في نفسية الفرد و الجماعة فاظهرت بنفسها و تفعل اليوم باصالة الفكر و ليس بما غطي من قبل، هذه هي الحقيقة مهما ادعى المتمنون لغير هذا، و هم يحللون و يفسرون وفق عواطفهم دون الحقيقة و بعيجا عن الواقع و لم يقولوا و يكشفوا الصحيح ابدا .

و ما هو الحل ؟

الحل يكمن في الحركة و مشاركة الجميع من جهة، و الاعتراف بحقيقة ما موجود على الارض و في العقل دون لف او دوران، او عدم قول شيء نابع عن التمنيات او الافكار المثالية التي تربت عليها اجيالنا السابقة منذ عقود . اي الواقعية في التحليل و التفكير والبيان و الاعتراف و الاعلان عن ما موجود كما هو .

و بعد ؟

لو شخٌصنا و بيٌنا المشكلة، سيسهل الحل لحدما . اي لو اعترفنا بما عليه الاخر و ما مصلحته دون تاثير القوي على الضعيف و دون اهدار في الحقوق او تناسيها، يمكن المصارحة و اظهار الحلول الواقعية قانونيا و اجتماعيا و فكرا و توجيها صحيحا. ان ابعدنا المصالح التي تعرقل التوجه الخير الصحيح .

ماهي تلك المصالح و من اين تفرض نفسها؟

انها نابعة من مصلحة الاخر الذي ليس له صلة بمصلحة الداخل من جهة، و مصلحة الداخل المرتبط بشكل وثيق بمصلحة الخارج من جهة اخرى، واما الذي يفرض الحل هو فك ربطهما اولا و بيان الفروقات الكبيرة بينهما على الارض ثانيا و من ثم ايجاد الطريقة السهلة للحفاظ على المصالح الداخلية المشتركة وفق اي طريق او وسيلة تقتنع بها جميع المكونات بقناعة راسخة و دون ان تفرض رغما عن اي طرف منهم ثالثا. و بعد هذا، يمكن ان نقول انه الخطوة الاولى الصحيحة في مسار الحال المطلوب لحل المشكلة العراقية العويصة . و به؛ ان اتفقت الاطراف على دولة العراق الاتحادي الموحد سيكون العراق عراق الدولة و ليس عراق العرق و المذهب او عراق العرق لوحده او عراق المذهب لوحده .