يبدوا ان المملكة السعودية قد وقعت في الفخ اخيرا و لاول مرة بعد رحيل الملك عبدالله و مجيء الملك سلمان، و التغييرات التي احدثها داخليا و ابرزت بها مدى التخبط التي يحصل في سياساتها الخارجية، و بالاخص تعاملها مع القضايا الشائكة في المنطقة و موقفها الحرج من العلاقات الدبلوماسية لمن تعتبره العدو اللدود و نجاحه في دبلومسياته على العكس منها، و هي تتعامل مع ما تمر به المنطقة وفق قاعدة ما يعمله عدوي هو ضدي و يجب ان يكون رد الفعل هو ضده مهما كانت النتجية . و من اهم ما يظهر تخبطها هو اصرارها على التدخل في سوريا كما كانت دون تغييرفي السياسة و التوجه منذ الحرب التي اندعلت فيها، و ادامت في العزف على اللحن ذاته حتى بعد تدخل روسيا القوي و تغيير المعادلات .

على الرغم من سقوط تركيا كثيرا و تعثرها في ما تعمل في المنطقة ايضا، و بعد محاولتها الحثيثة لقيادة المحاور الا انها اصبحت اخيرا الحليف القوي للسعودية، و هما المحتاجان للبعض و بعد ان اصرت السعوجية في المقابل ايضاعلى قيادة القوى الاقليمية الا انها اصبحت في الحفرة التي حفرتها و اوقعت نفسها بها من خلال السياسات الغبية التي مارستها . و بعدما تراجعت السعودية في ثقلها و رصيدها السياسي في المنطقة بعد فشلها في سوريا، اعتبرت انعطاف تركيا و تراجعها عن مواقفها السابقة فرصة يمكنها استغلالها، و في المقابل تركيا ايضا تفكر في استغلال السعودية بعد فشلها الاكبر من السعودية في سياساتها الاقليمية . انني لا اقيّم سياسة دول الخليج كافة الا ان السعودية هي المسيطرة في التوجهات التي تعتمده هذه الدول و كل بنسة معينة لحد الساعة و لامور معلومة، و من هذه الدول تفضل ان تكون محايدا، فلا يمكن تحاشيها، الا ان قطر و من خلال تعاونها مع تركيا قبل السعودية قد بنت لنفسها موضع قدم في بيان مصداقيتها لتركيا اكثر من السعودية على الرغم من ضعفها في كثير من المجالات التي هي المقوم الاساسي للتعامل مع البعض في العلاقات الدبلوماسية الدولية . العدو الاول لقطر و ما تهم فيه هو النظام السوري، و هدفها الاساسي هو محاولة اخونة الانظمة في المنطقة، اما السعودية فانها تعتبر الصراع مع ايران و مع تقدمها السياسي الدبلوماسي و تعويض ما فاتها من الفرص هو الهدف الاول لها، و كل ما تحاوله من اسقاط التظام من اجل كسر شوكة ايران او هدم عمود من اعمدتها الاساسية لسياساتها في المنطقة، و ليس النظام السوري فقط، لذا من الطبيعي ان تكون علاقات السعودية مع تركيا على اسس مختلفة، فتركيا لا يمكن ان تتعامل مع المنطقة وفق ما تهتم به السعودية، و خاصة في امور تخص ايران . زيارة المسؤولين الترك الى ايران عقدت الامور اكثر بعد اتفاقات سرية لا تفيد السعودية و اهدافها و اولوياتها التي تستند على كل ما يضر ايران قبل اي احد اخر، و هذه الخطوة تفرض اعادة النظر من قبل السعودية في سياساتها العامة في المنطقة .

ان ما اوصل السعودية الى هذا التخبط هو تدخلها غير المحسوب جيدا في اليمن ايضا و ضعفها اتجاه ايران من الناحية الشمالية و سيطرة ايران على مواقع عديدة لها سياسيا و امالت اليها الكفة دون اي منازع مهما ادعت السعودية و دول الخيلج من الحفاظ على مواقعهم .

يمكن القول ان اليمن كان فخا سواء وضعته ايران ام اوقعت السعودية و نسجته بنفسها نتيجة الاخطاء المتراكمة و دون ان تقصد، وتسارعت كثيرا و خطت دون اي حساب ولو غير دقيق اقدمت عليه، و هذه خطوةفريدة تتخذ من قبل دولة دون ان تكون لها قدرات عسكرية او خبرة مفترضة لمثل هذه السياسات الكبيرة، وبذلك اوقعت نفسها في الفخ دون اي عمل مسبق من اي احد، . الوضع الداخلي الهش للسعودية قد فرض عليها الخطوات العشوائية غير المدروسة ايضا، و اثرت عليها في العديد من النواحي،  و ابتعدت عن الامور المهمة في هذا الزمان و المكان و خاصة بعد وصول روسيا و سياساتها الواضحة و الصريحة لما تعمل عليه و ما يمكن ان تصل اليه المنطقة، و هي تنتظر ما يكون على الضد من المصالح السعودية اولا و من ثم تتضرر منه تركيا بعدها . و الفائز الوحيد فيما يجري هو ايران و تقدمها الهاديء الرزن المرن خطوة خطوة . سواء كان تقدمها من جانب العلاقات الدبلوماسية العالمية او موقفها و موقعها في المنطقة و دورها الذي تزداد اهمية يوما بعد اخر، و ما يدل هذا على انها كلما تقدمت في المقابل تتراجع السعودية كتحصيل حاصل لما يتجه اليه صراع المحورين من جهة، و علاقاتهما مع الدول العظمى و اثيراتهما على البعض من جهة اخرى . بفتح ايران فجوة العلاقات الدبلوماسية العالمية احدثت فجوة كبيرة في العلاقات الدبلوماسية السعوديةمع الكثير من الدول و ارجعتها خطوات في دورها و مكانتها و اهميتها و امكانياتها، و باخطائها في اليمن تراجعت كثيرا و احدثت شرخا كبيرا في مسار عملها الذي سارت عليه منذ مدة طويلة . و لم تتحرك امريكا ساكنا في مساعدة حليفها التي لم تصل منذ سنين طويلة الى هذا المستوى من الحضيض في دورها و امكانياتها و ثقلها . و كل ذلك يقع لصالح ايران و موقفها .

و على صعيد اخر فان تراجع امريكا القوي من المنطقة بشكل غير مباشر، او وفق السياسات التي تتبعها و التي ليست كما كانت ابان الحرب الباردة على الرغم من عودة روسيا القوية، او ما تصر عليه امريكا من السياسة الباردة في منطقة الشرق الاوسط مستندة على اساس لا عدو ولا حليف و يمكن التعامل مع الجميع بشكل متوازن، اوقعت السعودية في موقف محرج .

بعد موت الملك السعودي و التغييرات الداخلية التي حصلت من تهميش المحور الداخلي الاخر او القوة الاخرى التي ادام في سلطته على حساب القوة الحالية التي حلت بديلا لما كانت منذ مدة طويلة جدا و تربص هذا الجانب من العائلة المالكة و تحين الفرصة لازاحة الاخر، و الذي اثر بشكل او اخر و لاسباب عديدة على السياسة الخارجية اكثر من الداخلية لهذه المملكة . و بان التخبط بشكل واضح من خلال سياساتها في سوريا و اليمن و تفاعلها مع الاحداث و علاقاتها مع دول المنطقة و بالاخص ايران و تركيا و العراق و مصر .