لقد تشفت امريكا بمن اعتبرتهم اعدائها في مدة قليلة جدا، بعد ان اعتقدت انها القوة التي لا يمكن قهرها، و اصبحت نهاية التاريخ في يدها و لا يمكن ان يخرج من بين براثنها التي تمكنت ان تمسك الكثيرين بها، و لم تدع ان يعيشوا احرارا لمدة ليست بقليلة . عاشت في نشوة انهيار الاتحاد السوفيتي، و تخبطت جراء فرحها الزائف المؤقت بعد ان اعلنت بانها متيقنة من ما تعتمده من الفكر وا لتوجه و الثقافة التي لا يمكن ان يكون هناك بديل لها، و حسب توجهاتها كما يعلم الجميع . ترنحت يمينا و يسارا و استغلت فرص سانحة لها، و لكن بشكل غير سليم لما اُجبرت فيما بعد على التراجع و خضعت للامر الواقع في اقرب وقت و لم تستمر فيما وصلت اليه لاقل مرحلة ممكنة .

ان انتهاء القطب الواحد الذي سار في الطريق دون ان تكون لها محطة، و عليه انقلب على نفسه، و لا يمكن ان تعود امريكا الى الصدارة لوحدها باي شكل كانت مهما حاولت و راوغت . و لكن السؤال هو؛ من يمكن ان ينافسها في العالم من جميع النواحي السياسية العسكرية الاقتصادية و كما تعتقد هي الانسب فيها من الناحية الثقافية ايضا، على الرغم من انها لم تصل الى حال يمكن ان تفرض ثقافتها بشكل واسع في اية بقعة من العالم . الشرق الاوسط لازال في مؤخرة الركب و لا يمكن ان تبرز اية دولة ولو باقل نسبة ممكنة لتنافس الاخرين الذين خرجوا بالسرعة الممكنة من الازمات التي كانوا يرزحون تحت وطئتها، و فاقوا من غيبوبتهم اخيرا، بعدما بقوا في اخر الصف نتيجة عدم تعمقهم في التفكير و في التدبير لايجاد طريقة للخروج من تخلفهم . اليوم، الهند و البرازيل و بعض دول امريكا الجنوبية تنافس من نواحي عديدة الدول المتقدمة وهي في طريقها الى الاعتلاء على منبر ما عالميا، من النواحي الكثيرة و ابرزهم يتنافسون اقتصاديا لاتخاذه معبرا للسيطرة على النواحي الاخرى . الصين وصلت لما يمكن ان نتيقن بانها لا يمكن ان تتراجع و قبلت التحدي و تنافست و برزت و نجحت . روسيا في طورها المتنقل و تنتظر او تتربص فرصة سانحة كي تعود الى الصدارة، على الرغم من التاثيرات السلبية لما يسير عليه العالم من الاقتصاد الهاوي في اكثر من مكان . دول اوربا لازالت في مسيرها المتقدم دون منازع، و على الرغم من عدم تكامل ما يريده تجسيد ثقل اية دولة من الناحية العسكرية لتتوازن الحال، و تنافس من اجل الاعتلاء و التقدم باستمرار . فان اكثرية دول اوربا اصبحت في وقت ما قوة موحدة، الا انها اصبحت اخيرا في واقع اُجبرت على فك التواصل بين عدد منها نتيجة وجود التناقضات الكثيرة بينهم من الجوانب اقتصادية بالاخص، و تراجع الاتحاد الاوربي في تقدمه قليلا، و هو متوقف الان على مرتبة معينة ينتظر العودة الى السكة بعد انحرافه نتيجة التخبط الاقتصادي الذي حصل، و العالم على اليقين بان المسبب هو امريكا لوحدها لانها المستفيدة الاوحد في ذلك، بعد الانتكاسة الاقتصادية التي وقعت فيها، وتمكنت الى حد ما الخروج منها في وقت قياسي بنسبة كبرة .

الان، يمكن ان نقول بان العالم لم يستقر على قطب معين و لم تمر الاقطاب على حال يمكنها اعادة الترتيب كعملية ضرورية لحد اليوم، و ننتظر حدوثه خلال مدة قريبة، كي يظهر ماهو الاهم من تحديد الاقطاب و من يضمن كل قطب من الدول وكيف تتوازن الاثقال و تتوزع وفق المصالح المتعددة، و هذا يحتاج الى عوامل تتوفر لكل دولة كي تنتهي من اقرار ما يفديها، عدا دول تابعة او منها مارقة و منها لا يمكنها الخروج من الخضوه لامر القطب الذي لا يمكن ان تخرج من تحت كنفه، لانها لا تملك سلطة متمكنة او عادلة كي لا تستند على القوة الخارجية، و عليه فانها مجبرة على ما هي سائرة فيه و ان كانت مضرة لشعبها .

المؤكد من ما نحن بصدد بيانه، ان امريكا لم تظل كثيرا على راس القطب الاوحد التي تشدقت به و تراجعت، و هي الان في مرحلة اعادة التنظيم كي تقبل بالمنافس او المنافسين جراء تورطها في امور فرضت السرعة عايها في عملها من اجل بيان خطاها . فالقطب الواحد زال و ازاح معه ما فرضه خلال اعتلاءه، اما الان فنحن في مرحلة ننتظر بيان عدد الاقطاب و المحتويات لكل منها و كيفية تنافسها من النواحي المختلفة .

ما فرض عليّ الكتابة في هذا الشان اليوم هو ما اراه من سياسات امريكا حول الشرق الاوسط، و تعاملها مع الاحداث التي فرضت عليها الكثير من التنازل، بعدما اغترت بعد انهيار الاتحاد السوفيتي و لم تستمع لاحد، و لكنها تواجهت مع العوائق و انكسرت شوكتها بعد الفشل المتتالي في خطواتها و سياساتها . واليوم لا يمكنها ان تفرض ما تتمناه بسهولة، و انها تواجه اليوم دولا و يمكن ان يكونوا اقطابا فيما بعد، و لكن من المستحسن لامر المنطقة، ان تعيد دولها النظر في الكثير من الامور، و ان المرحلة التي فقدت امريكا تسلطها و انفرداها لم تستمر كثيرا و هي الان تعيد قراءة ما موجود وهي متاكدة من نجاح المتنافسن لها لو تصرفت كما كانت من قبل . و عليه يمكن ان نعتبر المرحلة انتقالية من حيث التمهيد وبناء الاسس الطبيعية لتثبيت الاقطاب محتملة و هي التي تدفع بما تضمنها من الدول، و الاهم هو عدم امكان امريكا من بقاءها قوة وحيدة وقطب وحيد لمدة طويلة، فلننتظر .