منذ سنوات و تتفاعل المعادلات التي تتم وفق ما تدفعها اطراف متعددة الى استنتاج ما تامله في نهاية تلك التفاعلات، و تتدخل بشكل مستمر بعد سقوط الدكتاتورية في العراق بشكل ما و منذ اندلاع ثورات الربيع العربي بشكل قوي و مباشر.

من المؤكد ان ما حاولته الثورة الاسلامية الايرانية في بداياتها هو تصدير الثورة بشتى الطرق، و اسمت ثورتها في ايران و ليست الثورة الايرانية و نوت ان تكون في دول اخرى ايضا، و حاولت توجيه مسار التحركات التي حدثت في العديد من الدول متشجعة من ما وصلت اليه الثورة الايرانية من جهة، و تدخلات ايران بشكل غير مباشر قبل الحرب الايرانية العراقية في شؤون دول المنطقة، و اصبحت هي منذ بدايات سقوط الشاه واجهة و بداية للحركة المذهبية التي استغلتها اي الثورة التي سمتها بالاسلامية من اجل السيطرة العرقية و تامين مستقبلها السياسي بهذه الطريقة والفكر والفلسفة العميقة التي يمكن ان تتعلق بها الناس في هذه المرحلة .

اما تركيا و هي ارادت استغلال الضعف الايراني ايضا بعد الثورة و مدت من يدها لتبين انها بالمرصاد لاية حركة ايرانية و لم تدع ما لغير صالحها ان تتبلور منذ ان احست بما يمكن ان يغير من موقفها و ثقلها في هذه المنطقة، و تحركت على العكس من ايران و اصبحت هي عيون الغرب من جهة و مخططة لما يمكن ان يمنع من تمادي ايران من خلال تنفيذ السياسات الغربية بافعال و اعمال و مخططات ثعلبية المحتوى و التوجه على الرغم من عدم نسيانها للطموحات الخاصة بها في المنطقة، انها حققت ما ارادت دون ان تخسر شيئا على العكس من العراق الذي قدم كل شيء لما تتمناه تركيا و الغرب على حساب ابناءه، و تضرر هو دون ان يشاركه احد بما فعل و اصبح في النتيجة لصالح تركيا و سياساتها بشكل مطلق . هكذا لم تتغير الظروف الخاصة بالمنطقة و التي مالت لصالح تركيا منذ بداية حرب الخليج الاولى، و استغلتها تركيا و طفرت كثيرا في تغيير واقعها و ظروفها الاقتصادية بالاخص نحو الافضل مما كانت عليه، و على حساب تهور الدكتاتورية العراقية، كما استفادت امريكا و دول الغرب جميعهم من ما حدث هنا دون ان يتضرروا بمثقال ذرة .

عندما اصر امريكا على اسقاط الدكتاتور العراقي، لم تكن تركيا متلهفة لما تقدم عليه لا بل لم تساعدها في العمليات العسكرية و لم تسمح لها استخدام قاعدة الانجرليك العسكرية التابعة لحلف ناتو، مفكرة بانها تمنع لما تصر عليه امريكا و الغرب، او على الاقل ستعمل على ان تكون ايديها هي العليا، و لكنها لم تحسبه جيدا و اضرت بنفسها و تدفع ضريبة خطئها لحد اليوم .

خلال هذه المدة تغيرت الاوضاع الداخلية في تركيا كثيرا بحيث وصلت الى ماهي عليه اليوم من سلطنة اردوغان و تسلط حزب العدالة والتنمية و محاولته في اعداة امجاد العثمانية على حساب المنطقة، بعدما انعكفت تركيا خلال المدة السابقة على حالها فقط في مراحل معينة، على ارغم من انها كانت تضمر في نيتها ما كانت لم تنقطع عنه ولو لمدة قليلة وهو السيطرة على المنطقة و اعادة ما تعتبره حقها المغتصب كما تعتقد، و هو محافظة الموصل و و كانها ملكها و اغتصبت رغما عنها دون ان تفكر ولو للحظة بانها هي التي تغتصب مناطق شاسعة في تركيا ليست من حقها ان تضمها اليها. و هكذا بالمقابل استغلت ايران الواقع و جاءته افضل فرصة بعد ثورتها الاسلامية و مرورها بمرحلة صعبة من الحرب و الدمار، و جائتها الفرصة اخيرا لما يمكنها ان تهتم بما تخصها من المذهبية حتى على حساب الاسلام دينا من اجل اهداف سياسية، كما هو مضمون الاسلام دينا و نظاما وسلطة منذ صدر الاسلام . و لكنها اي ايران و منذ الفتوحات الاسلامية و دخول الاسلام اليها عنوة تعمل على استغلال الاسلام مذهبيا لاهداف ومصالح عرقية، و لم تتغير سواء في حكمها العلماني الشاهنشاهي او الاسلامي الخميني بشكل لا يمكن ان نحس باي اختلاف فيما بينهما من حيث المضمون و الاستراتيجية .

اليوم و بعد وصول حال سوريا الى ما هي عليه و بعد تكثيف زخم الصراع المتعدد الجوانب فيها بعد محاولات الهلال الشيعي و الاناء السني و تضادهما في كل توجه، فانبثق محوران على اساس مذهبي لاسباب عديدة و كلها لصالح مخططات الغرب، اي حتى نوعية الصراع و اساسه و اللاعبين ناتج عن تخطيط العقلية الغربية و بالاخص الامريكية التي فضلت ان تكون هي بعيدة عن قيادتها الميدانية بشرط بقاء اشرافها المباشر الا انها تميل الى ما لصالحها من الجانبين على الرغم من انها تميل لمحور معين احيانا . و لم تنجح الى النهاية بعدما تدخلت روسيا و ارتفعت رصيدها كثيرا، و لم تكن لصالح امريكا و قطعت عنها مسار خططها . فاجبرت امريكا على ان تتدخل بشكل مباشر بعدما انسحبت هي و وظفت قوى بديلة تعمل كما تريد، فاصبح راس المحورين او القطبين روسيا و امريكا في الميدان مباشرة و مكرهة دون رضا امريكا بذاتها و لكنها اضطرت الى ذلك، و هي التي ارادت ان تكون بعيدة وفاعلة و هي توجه و تعمل بايادي و قوى محلية . اي دخول روسيا القوي في سوريا وبشكل مباشر افشلت مخططات امريكا البعيدة المدى او الاستراتجية التي ارادت ان تفعل و لا تدفع . و لكنها علمت بما قطعت عنها الطريق فتلهثت في التعامل مع المستجدات و ما شاهدناه من الزيارات المكوكية المتعددة لوزير خارجية امريكا لروسيا و حتى كانت خارج العرف الدبلوماسي، اوضحت لنا مدى تخبط امريكا محاولة اعادة المسار عن الانحراف، و هي تحاول التنسيق مع روسيا من اجل ضمان مصالحهما معا على الاقل و استغلال ما يجري، و اصبح الميدان الرئيسي لكل تلك الصراعات هو سوريا كموقع بديل عن تعدد المواقع للصراع العالمي .

اليوم و بعد اتفاقات روسية امريكية سواء مباشرة او بشكل غير مباشر، اصبحت الدولتان ايران و تركيا و الدول الاخرى من المحورين السني والشيعي هم البدلاء و باشراف روسي مباشر مع تدخلات امريكية و مباشرة احيانا و ببديل في احيان اخرى . و لكنها اي امريكا اصبحت تفكر في العودة الى الاشراف المباشر و تعمل على اعادة وجودها في الميدان مباشرة بعدما رات تدخل روسيا القوي، لانها تفكر في ان مصالحها ستكون في خطر عندما تكون كفة الميزان لصالح روسيا الجديد، لذلك تفكر ان تعيد الكرة مرة اخرى الى المنطقة بشكل ما، و ستكون الصراعات باشكال و طرق جديدة مستقبلا، و لكن تركيا و ايران ستبقيان القوتان اللتان تكون لهما اليد في شؤون المنطقة اكثر من غيرهما لمكانتهما المعلومة و استرتيجية موقعهما و تاثيرها على مسار الصراعات . و ما تريدانه و تعملان عليه و تهدفانه هو المعيار لما تكون عليه المنطقة بعد مصالح امريكا و الغرب و روسيا و خطواتها الاستراتيجية الجديدة و اهدافها و مدى تحملها الصعاب في صراعها الاقتصادي مع دول الغرب . اما تغيير الخارطة و شكلها فانه موضوع اخر، و لكنها ستكون وفق ما تتعامل به هذه الدول و نظرتهم و ما يفيدهم شكل الخارطة بعد وصول اللعبة الى نهايتها في وقت ما، او عند انبثاق معادلات اخرى مختلفة عما هي اليوم في المنطقة .