السؤال الاساسي الذي يجب ان نساله قبل الخوض في هذا الموضوع، لكي نتمكن من توضيح الجواب وفق ما هو الموجود اصلا او حسب توقعنا او اعتقادنا، و الذي نستنتجه من التحركات التي تشهدها المنطقة من قبل الدول التي لها التاثير المباشر عليها، و هو؛ هل يوجد توزيع للادوار بين دول هذه المنطقة من فعل و بارادة ذاتهم او ايمانهم به، او ما هو الموجود مفروض عليهم من هذا وذاك من الدول الكبرى . و على اي اساس تم توزيع تلك الادوار و المهمات و كيف تدوم و ما مضامينهاا و من يستفاد منها قبل الاخر و ما هي الامور التي تفرض نفسها على اتجاه و شكل و توجهات الاطراف و من يحدد مهامهم ؟

كل ذلك يمكن معرفته من خلال الافعال و المواقف التي تصدرها دول هذه المنطقة، و علاقاتهم الخارجية و ما ينفذونه من السياسات حول ما يجري في المنطقة، سواء من التخبط او ما يقدمون هم عليه من الاتفاقيات السرية او العلنية التي تتضمن المطالب او النقاط التي على كل طرف تنفيذه . غير اننا لو تمعنا و دققنا في ما يجري يوميا و ما يحدث و ما يفرز منه، او ما نلمس من تداعيات كل خطوة تتخذها اطراف هذه المنطقة او الدول الكبرى و ما يصدر للتابعين لهم، سنفهم ان كانت هذه الدول الموجودة قد وزعت هذه الادوار التي تتخذها ام تحركاتها عفوية غير مدروسة .

كلنا على دراية بان سياسات دول العالم و تعاملهم مع هذه المنطقة اختلفت بين كل مرحلة واخرى، و ما شاهدناها في فترة الحرب الباردة قد ردت الكثير منها، و ازدادات بعضها بعدما اصرت امريكا على التمادي، معتقدة بانها اصبحت من دون منافس، و قامت بما اعتبرته صحيحا دون اي اذن من احد او بدون اي توزيع للادوار مع المتحالفين معها او الميالين الى سياساتها، وظنت انها استفردت في حكم العالم و لم تجد من يعرقلها لمدة طويلة، و لكنها خابت ظنها في اقل من عقد تقريبا، و اعادت النظر في مسيرتها و غيرت من سياساتها من كافة النواحي . و ان كانت تتوجه نحو تنفيذ ما درسته معاهدها البحثية السياسية و ان عرقلتها ما واجهته على ارض الواقع، كما صدته الردود التي لم تعتقد انها تجدها في المنطقة بعد مدة ليست بطويلة ايضا . اي انها اعتقدت بانها لا تريد ان توزع الادوار على الموالين لها، بل تعاملت معهم عسكريا و امرتهم في اية خطوة ارادت ان تخطوها في هذه المنطقة، و اعتقدت بانها القطب المسيطر لا يمكن ان يرفض احد اوامرها و كما شاهدنا اعتقدت بانها لا تُرد، فنتذكر كيف فرضت الحرب و طلبت تنفيذ اومرها على حلفائها القريبين والبعيدين دون ان يتمكن احد من رفض ما امرت به، و ليس توزيع الادوار فقط او حتى لم يتمكن ان يتحفظ احد على ما امرت به . فاجتمعت اكثر من ثلاث و ثلاثين دولة لحرب العراق في الكويت و اخراجه منها، و من ثم الدول ذاتها او اكثر في اسقاط الدكتاتور العراقي . اي فرض الادوار و ليس بالتفاهم و الحرية في اختيار الادوار التي تراجعت في المدة الاخيرة و سمحت بحرية البعض في اتخاذ بعض الادوار التي لا تضر و لا تفيدها، كما اتخذت تركيا موقفا ازاء سقوط النظام العراقي رغم انها ليست بالقوة التي يمكن ان ترفض اوامر امريكا . اي انها امريكا التي احتكرت الدبلوماسية و اصدرت الاوامر و وزعت الادوار كما تفكر و تريد لمدة طويلة .

اما الدول ذاتها التي كانت متحالفة او تابعة لامريكا، اصبحت في الفترة ذاتها عصا بيدها و لم تتمكن اكثريتهم من رد حتى ما تضرهم من المواقف و الافعال اية كانت تطلبها منهم امريكا . من منا لم يتذكر ما قامت به السعودية ودول الخليج من تنفيذ اوامر امريكا و المصروفات الكبيرة التي وضعها على عاتقهم على الرغم من عدم رضاهم في الكثر منها . و من منا لم يعلم بان اقتصاد امريكا قد تحسنت نتيجة تنفيذ خطط امريكا في الشرق الاوسط من قبل التابعين لهاقبل الاصلاح الداخلي فيها، و ما فعلوه من اللعب على اسعار النفط و التذبذبات التي حصلت لها و وقعت جميعها لحساب امريكا و انقذتها من الازمة الاقتصادية الكبيرة التي وقعت فيها .

اليوم دخلت روسيا في مخاض ما يجري في المنطقة و يتم توزيع الادوار وفق هواها ايضا الى جانب امريكا كما يعتقد الكثيرون، و لكن من خلال منافسة امريكا و التابعين لها، بعد ان انسحبت قليلا من ما يجري في المنطقة لامور تخصها و درستها في فترة اوباما بالاخص . اي ان الدول التابعة توزعت من جديد في منافساتها و صراعاتها مع البعض، و ان كانت هناك شكوك في التفاهم بين روسيا و امريكا في بعض من الامور التي يمكن ان تفيد الطرفين وليس كما جرى ابان الحرب الباردة، وما حصل من التقاطع او التضاد الذي ساروا عليه . اي في المسيرة التنافسية الجديدة يدور العمل وفق ما يقع الضرر بالكمال و التمام على التوابع، بعد ان كان من قبل يتحمل راس الاقطاب الكثير من الاثقال والضغوطات ايضا مع التابعين، و به يمكن ان تستفاد البلدين روسيا وامريكا على حد سواء من الخطط و التوجهات الجديدة .

اما دول المنطقة بعد الربيع العربي توزعت على القطبين من جهة و اصبحت الصراع المذهبي هو الاساس الذي يسيرون عليه كفكر و ارضية من اجل الحصول على المبتغاة من جهة اخرى، اي توزيع الدوار خرجت من الافكار والفلسفة اليسارية الشيوعية مع الراسمالية اليمينية، الى ارغام دول المنطقة في صراع مذهبي يميني بحيث يكونوا تابعين للاقطاب في رسم سياساتهم و ليسوا تابعين لافكارهم و فلسفاتهم . اصبحت السلطات المنطقة هي التي توزع الادوار وفق ما تؤمن به دينيا مذهبيا، و ما يهمهم من ان يتبعوه و يكونوا تابعين له من رؤس الاقطاب . فان توزيع الادوار ليس بما يمكن ان يبعد روسيا و امريكا عن البعض اكثر مما هم عليه الان، و الزيارات المكوكية لوزير الخارجية البلدين و الاتفاقيات السرية التي تشير الى تفاهم ضمني لعدم اعادة الادوار التي اتخذوها ابان الحرب الباردة، بل توزيع االدوار وفق ما تفرضه عقليات الدول في المنطقة، و اسهل ما تتم فيه تلك الامور دون عراقيل هو الصراع المذهبي التي تدفعهم الى ذلك دول الكبرى و ما ينفذونه باقرب مدة واسهل طريقة . ننتظر ما يؤدي هذا من التشنجات و الاحتكاكات الكبيرة التي ربما تفرز منها ما يدع المنطقة تابعة خاضعة في اكثر مدة الى القطبين الروسي و الامريكي، و يتم في المدة المقبلة تحديد مدة المراحل التي يمكن ان تمر، و تتغير الجزئيات فقط، وهذه الدول لا تتمكن من الخروج من الخطط التي وضعتها الكبار و هم ينفذونها بعلمهم او دونه، ليكونوا تابعين و يقع ما يقع عليهم و يؤثر على شعوبهم، بشروط كثيرة و منها بقاء اسعار النفط كما تحددها الدول المستفيدة منها . و يتم تغييرها حالما استدعت الحاجة الى ذلك .