اننا نتكلم عن الناحية السياسية و ان كانت النواحي الاقتصادية و الثقافية مرتبطة معها ارتباطا وثيقا، و لا يمكن فصلهم عن البعض . انها، اي امريكا، اعتقدت بانها وصلت الى ما لا يمكن ان يصل اليه اي منافس اخر، ومعتقدة في الوقت ذاته انها نجحت نهائيا، و ان انهيار الاتحاد السوفيتي لاسباب ذاتية، و على راسها ما سارت عليه قيادات السوفيت، وفق نظراتها الى الفكر و الفلسفة الاشتراكية بخلفيات مختلفة و اكثرهم بمزاجات متواترة و متوارثة، لم يكن للشعب الدور الرئيسي في تحديد مسارهم، و هذا موضوع اخر لا يسعنا ان نفصل فيه هنا، اعتقدت امريكا انها انتصرت على الفكر والفلسفة الشيوعية نهائيا و ليست هناك بعد المرحلة الراسمالية التي التزمت بها .

انبهرت بمنظريها و مفكريها و ما خرج منهم من التنظيرات وا لكتب و التوجهات الفكرية السياسية، و سارت على غرورها و توجهت لفرض القطب الراسمالي الواحد هادفا الى حكم العالم على انها تحمل الاصح، و انتهى التاريخ لديها، و ليس الا ان هناك صراع للحضارات و سوف تقضي عليهم في النهاية و تسود على العالم بكل امكانياتها المادية و بما تحمل من الثقافة والفكر الراسمالي الامبريالي .

لم تمض على ما اقدم عليه غورباجوف الا عقدين و نيف فقط، و نرى ما وقعت فيه امركيا من الاخطاء و اعادت النظر كثير فيما ذهبت اليه، و هي الان منعكفة او منكفئة من حيث ما ابتدات به من التمادي على ما يحمله الاخرون جميعا، معتقدة انها ستنهي على الفكر الشيوعي نهائيا في العالم اجمع قبل الاخرين، واعتقدت تتجه الناس الى ما هي تسير عليه من الناحية الاقتصادية و السياسية و الفكرية، و حاولت و هي مستمرة لحد الان ان تنشر من اثير ثقافتها المبنية على الليبرالية و الديموقراطية الفوقية النابعة من المصلحة البرجوازية فقط .

عندما اصطدمت بما لم تعتقده من الصدامات التي برزت من الواقع و عرقلت مسارها بشكل طبيعي، اتخذت سياسات بهلوانية مجازفة في حركاتها من اجل وضع اللمسات الاخيرة على ما يهمها في منطقة الشرق الاوسط، لترسخ ما تنجح فيه لتبرز الارضية المناسبة لتقتحم المناطق الاخرى من العالم، و اعتقدت انها ستكون المسيرة اسهل ان نجحت هنا، و بهذا ستكون قد اطبقت على العالم من جميع الجهات . فبتهورها في عمل عسكري خارجي كما في افغانستان و العراق تعلمت دروسا و اوقعت بنفسها في وحل اخطائها و تسرعها و تشدقها لما سارت من خطوات سهلة في تقدمها بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، و خاصة في تلك البلدان التي حدثت فيها الفوضى بعد علمية الغلاسنوست و اعادة التركيب الذاتي للبلدان الشيوعية التي كانت تحت خيمة الاتحاد السوفيتي و تفرقت .

من انكفاء السياسات الامريكية وسيرها البطيء و انطفاء نار غرورها بعد اصطدامها بما لقته في هذه المنطقة، فانسحبت تدريجيا من بعض الافكار الاستراتيجية التي انبرت ان تقدم عليها بداية، و لم تنجح . اليوم و ما نعيش نحن فيه في الشرق الاوسط و بعد قراءة دور امريكا و سياساتها، و انسحابها على الاقل محترمة ذاتها في اعترافها الضمني من فشلها في تحقيق الاهداف الكبيرة التي سارت لتحقيقها و لم تتمكن منها . اليوم وقعت في اوحال السياسات الخاطئة التي اتبعتها في التعامل مع قضايا هذه المنطقة، و هي تتخبط فيها و تزيد من فشلها، بعد ان تكبرت و اغترت و وصلت الى حقيقة ما هي عليه من الفشل الذريع في مغامراتها .

تاثرت امريكا داخليا من كافة النواحي، و بمجيء اوباما اتخذت سياسة انسحابية اكفائية من القضايا التي تعلقت فيها و فشلت محاولة التخلص من اثار افعالها الخارجية، و نجحت الى حد ما في تصحيح مسار سياسات دولتها و غيرت من اهتاماتها نحو الداخل و تقدمت خطوات في تحسين اقتصاد بلدها، و هي تعلم مدى فشل من سبقه خارجيا، و ايده الشعب الامريكي في ذلك و لحد اليوم . و به نرى ان تخبط امريكا المتواصل ليس وليد اليوم او ما لقته من العراق و انما نتيجة خطاها الاستراتيجي في محاولتها في السيطرة على العالم، و كانت تنوي ان تكون بديلا للاتحاد السوفيتي في البلدان التي كانت ضمن معسكره . و سارت بمنحنيات متذبذبة في اكثر هذه البلدان و لم تنجح في اكثريتها، الى ان عادت روسيا محاولة ان تظهر على انها القطب المناسب للوقوف امام هيمنة امريكا او محاولتها في السيطرة على العالم بكل ما تملك، و بدات ملامح هذا الهدف لدى روسيا و الرئيس بوتين اكثر وضوحا بعد تدخله المباشر في سوريا كبداية للتوجه الجديد، و هذا هو بداية للمعادلات الجديدة و التغييرات التي تسحب معها تغير عدة مسارات في العلاقات الدبلوماسية للدول التي لم تستقر على ما تريده من السير عليه لحد الان . ومنطقة الشرق الاوسط تغلي و لم تستقر على حال كي نعلم ما تكون عليه العالم، و كيف تكون الاقطاب، و ما هي المعادلات التي تتفاعل في مسار العلاقات الدبلوماسية العالمية . ننتظر ما ينبثق من الفوضى في هذه المنطقة و ما يخرج من تخبط امريكا في التعامل مع العالم، و هذه المنطقة بالذات هي ما تنبت فيها ما تدفع العالم نحو اي اتجاه، و يمكن ان نعلم مدى تراجع امريكا عن ما نوته في البداية عند قياس ما تقوم به اليوم مقارنة ببداية مجيئها الى الشرق الاوسط بقوة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي .