مَن منا لم يتذكر قبل سنين في منتدى دافوس و الحركة البهلوانية التي نفذها اردوغان امام بيريز و اتخذ موقفا تمثيليا مضحكا على الهواء، في رفضه للجلوس مع بيريز لانه اصبح عدوه بعدما جرى ما جرى في تلك الايام في فلسطين و كانه صاحب القضية ول ا غيره، الجميع كان على دراية انه يريد بما يقوم تحقيق هدف استراتيجي لاقترابه من المسلمين و المنطقة من هذه النافذة، والا لم يتعامل يوما مع الفلسطينيين كما يدعي و يامر به اسلامه . و نتذكر جيدا تركه للمسرح بحركية مسرحية باهرة الدقة سياسيا، و كانه لن يعود لمصافحته مهما بلغ من الامر من فرض مصلحة بلده . و صدقه الكثيرون من العرب سواء ضعفا منهم او احتياجهم لقائد يقف ضد اسرائيل و يناصرهم و ينتصر لهم حقوقهم كما يدعون . و اعتقدوا بانه لا يمكن ان ان يفعله الا شخص اسلامي كاردوغان و بقوته و ثقله و ايمانه بالقضية الفلسطينية، لانهم ياسوا من العرب و قادتهم و خلافاتهم و تناقضاتهم و خنوعهم . اصبح اردوغان محط احترام جميع العرب شعبا محبا للقضية الفلسطينية، و اصبح قائد الامة العربية محرر القدس و صلاح الايوبي الثاني في نظرهم . كما هو حال كل محتاج و غريق بتشبث بقشة، فانهم وجدوا في اردوغان منقذهم من الواقع المرير الذي يعيشونه . هكذا استفاد اردوغان من موقفه التمثيلي المخطط له مسبقا داخليا ايضا كما ارتفعت شعبيته و حزبه الذي ينظرون الى القدس كثاني القبلتين و الشعب الفلسطيني المغدور الاول في نظر المسلمين ايمانا وجدانا .

اليوم و بعد ان استفاد اردوغان بتلك الحركات لسنين و استغل عاطفة الموالين و الامة الاسلامية، و من ثم اراد ان يزيد من رصيده في ارسال سفن لكسر الحصار على غزة، و الرد السريع الذي لقاه من اسرائيل الذي اهانه و بلده، لم يجد من مخرج في احراجه و وقوعه في زاوية خطرة بعد مغامرته الفاشلة في اعادة النظر من مواقفه السابقة باسقاط الطائرة الروسية، لم يجد منفذا غير اسرائيل من العودة الى حضنها في سبيل تقوية الذات و هو يصرح باعلى صوته بانه يحتاج الى اسرائيل كما تجتاج اسرائيل الى تركيا . فهل يفكر من يتابع سياسات اردوغان و توجهاته و يصدقه في خطواته ام اصبح يفقد المصداقية حتى من الموالين له و لحزبه، و لكنه يستمر في الفات نظر الناس من موقفه و ما يصر عليه من حرب ابادة داخلية ضد الكورد في كوردستان الشمالية غير مسبوقة منذ ان اعلن كذبا و افترائا في نيته حل القضية الكوردية بعملية سلمية، و استفاد كثيرا من هذا الموقف ايضا كما كان يستفاد من موقفه الاسلامي من فلسطين تكتيكيا و نظريا دون اية خطوة عملية يفديهم بها الا احتضانه لقادة حركة الحماس، و هذا لم يزد من محنة الفلسطينيين الا قوة و عمقا .

اننا اليوم نسمع و نكشف ما يسير عليه اردوغان من التضليل باسم الفكر و الفلسفة الاسلامية، و هو لا يهمه الا الايديولوجيا ومصلحته الشخصية الحزبية بعيدا عن اية عقلية انسانية لما تفيد الفلسطينيين، و لا يمكن ان تصدقه الناس فيما بعد، مهما ادعى التزامه الديني و هو يسير علىماهو المبني على التحزب السياسي، و لم يمت ما يعمله اية صلة باحقاق الحق الذي لم يفرضه الا اصحابه بعيدا عن المعادلات السياسية الدولية و ككما يفعله اردوغان من استغلاله هذه القضية لامور كثيرة .

و هكذا ما ينظره الى القضية الكوردية، فيجب ان يعلم من يخضع له سذاجة او مصلحة من القوى و الاجزاب السياسية في كوردستان الجنوبية والشرقية، فلابد ان يتعضوا من مواقفه من القضية الفلسطينة ليصدقوه فيما يقوله عن قضيتهم، فهو ان كان يرمي بكل ما يهم الشعب الفلسطيني المبني على اسلاميته و من مصلحته و حزبه و دولته، و هو يدعي بانه من اولى اولوياته فكيف بالقضية الكوردية التي ليس له فيها الا الوقوف ضدها من اجل تحقيق ما يريد، و يتعامل معها باكثر رعونة و تضليلا ان كان يعلمه او لم يعلمه من يتعامل معه، لان القضية لا تمت بما يؤمن من قريب او بعيد . فلنا من ما يدعيه وقفة مستقبلا بالارقام و الاحداثيات و المواقف المتضادة مع البعض في الوقت ذاته .