بدون شك، ان ما ينشده الجميع و يتمناه كل فرد هو السلام و الامان و الاستقرار، بعد ان عاش و تجرع الضيم و لم يمرر سنة الا و دخل من ماسآة الى اخرى، منذ عقود طويلة و راحت ضحية تلك الفواجع اجيال و اعدادا لا تحصى، لم يسترح احد افراد الشعب ولو شهر واحد فقط ان لم نكن مبالغين . و منذ اكثر من خمسة عقود في الحد الادنى، و هو منغمس في وحل التناقضات التي تركه له الاستعمار البريطاني منذ تاسيس الدولة العراقية، لحين ركوب الدكتاتورية و تجثمه على صدور الشعب بجميع مكوناتهم .

العهد الملكي بما جرى فيه والذي يحن اليه الكثيرون، لانهم يقارنونه بما بعده . الجمهورية التي اتت بانقلاب و ثورة عسكرية فوقية، دون ان تنبثق من جراء ارتفاع المستوى الثقافي العام و مستوى الوعي و ما يمكن ان ينتج عنه عدم تقبل الملكية، و انما جاءت و لم يدرك الشعب ماهي المؤسسات المطلوبة لمسيرة النظام الجمهوري الحقيقي، و لكن لم يدرك المواطن كيف يمكن ان تكون الجمهورية نابعة من رحم الشعب و ليس من المؤسسات العسكرية و كانت الجمهورية منذ بداياتها هو احلل بديل قيادي لما قبله في اكثر جوانب الحكم . و ان كانت بدايات الحكم الجمهوري و ما تميز به عبدالكريم قاسم لا يمكن مقارنته لما بعد مجيء البعث و سيطرة الحزب الواحد و النظام الدكتاتوري باسماء واداعاءات مختلفة . و المعلوم من كان ورائهم و كيف تمادوا و اطالوا من عمرهم لاسباب لا يمكن ان ينكرها احد، عند تقيم ما مر به العراق و لماذا وقع في كل تلك المحن و من استفاد من ثرواته و امكايناته . و لم يدعوه ان يتنعم بخيراته منذ جلائهم بعد انتهاء مرحلة الاستعمار واقعيا، ولكن ما خلفوه من الخلافات و الاحتدامات التركيبية و الفكرية و الثقافية بين مكوناته لاسباب مصلحية خاصة بهم، و لبقاء سيطرتهم من خلال توارث عملية فرق تسد بين المكونات، نتيجة ما بثت فيهم من اسباب الخلافات لم تدع ان يستقر العراق في لحظة ما ولو لسنين بعدهم . اضافة الى ما كان و لازال عليه الشعب العراقي من الاعتناقات الفكرية والدينية و المذهبية التي تعتبر حطبا جزل لاشعال نار الفتنة في كل لحظة، على الرغم من سيطرة النظام الدكتاتوري عليه بالحديد و النار اخيرا .

لو اردنا ان نقيّم الشعب العراقي بكل صراحة بعيدا عن العاطفة و ما نكنه له من الحب و الحنية الى تاريخه و ماضيه، و بتقيم موضوعي علمي قيّم بعيدا عن المهاترات التي نلمسه لدى بعض المتابعين نتيجة انحيازهم لجهة او ميلهم لفكر وفلسفة او ايديولوجيا خاصة بهم و بانتمائاتهم، و يجب ان نقراه و نطرح ما نعتمد و نبين ما فيه العراق بكل ما فيه و بما هو عليه و كما هو، و بعقلية و ثقافة و مستوى يجب ان نحسب للوعي العام للشعب و الملائم له لتجنبه الخطا مستقبلا، بنائا على ما يؤمن به هذا الشعب من العادات و التقاليد و الطقوس من جهة، و الخلافات التي لا يمكن ان تُحل بين ليلة و ضحاها و كيفية تلافيها بخطط مدروسة بعيدة المدى من جهة اخرى . و يجب ان يكون المقيّم يدرك ما تحت النظر و ماوراء الستار و التوجهات المخفية و الكلام عنها بكل صراحة بعيدا عن العاطفة و الحب الذي نكنه للعراق كعرب و كورد و تركمان و مسلم ومسيحي و كلد و اشوري و ارمني و ايزيدي و كاكائي و سني و شيعي، و مؤمن و ملحد، و من العقائد و الافكار و الفلسفات المتعددة التي تحصى و لا تعد نسبة الى النسمة القليلة التي ما تحمل العديد من الخلافات الفكرية و ما تحملها من الخلفيات التي لا يمكن وجودها في اي بلد في العالم، و نتعامل معه كطبيب يجري له عملية قيصرية و هو بعيد عن العاطفة التي يمكن ان تودي بحياة المريض في اكثر الاحيان ان لم يسيطر الطبيب عليها .

 انه مهد الحضارات و منبع التطور في مراحل عديدة من تاريخه، وجغرافيته المساعدة على التطور و التقدم و النقلة التي حدثت فيه خلال مراحل تاريخه الغابرة، يمكن ان تعاد مرة اخرى .

اليوم نعلم انه يعيش في حال لا يُحسد عليها، و هي تفرقة و خلافات و تناطح و احتراب و مواجهات وصلت حد، لا يمكن ان نعتقد بانه يمكن ان يتوحد بسهولة، الا اذا استعملت القوة المفرطة، و هذا يفيد لمدة ومرحلة معينة لانه ليس بقناعة ذاتية للمكونات، و لا منبثق من ايمانهم بالاخر و حقوق الجميع و عدم الاجحاف بها .

 المكونات الرئيسية هي الكورد والعرب و ما بينهما معلوم، و العرب ايضا تفرقت نتيجة سيطرة المذهب عليها و انقسمت الى سني و شيعي لا يمكن انكاره مهما اردنا خير العراق في عدم ذكره، لان الاختفاء كالنعامة لا يفيد ابدا و لا ينتج عنه اي حل جذري . هنا لا اريد ان اتكلم عن الشعب العراقي على انه لا يتصف بوحدة الصف وليس له سمات الشعب الواحد، لانه كلام اخر ليس لنا هنا ان نبينه، سواء اعتمدنا على ما هو موجود عليه و جوهره، او ما قيّمه الاولون و لم يعترفوا به كشعب، بل سموه مجموعات و كتل و من ثم قبائل و عشائر و متمدنين و رحل و بداوى، و للدكتور علي الوردي دوره البارز في بيان حقيقة هذا الشعب من كافة زواياه و ما اتسم به .

فلندع الماضي و نتلكم عن ما وصلنا اليه كماهو نراه و نقيَمه بحيادية تامة بعيدا عن عاطفة العرق و الدين و المذهب كما لا نؤمن نحن، و من يعرفنا يمكن ان يشهد لنا بذلك، بل ان انحيازنا يمكن ان يكون للطبقة الكادحة، و هذه غير منبثقة بشكل علمي، بل اختلطت و ضاعت بين العرق و الدين والمذهب . و لهذا لا يمكن ان تكون لانحيازنا لها اي اثر و لا يشكل اي خلل في تقييمنا .

و نعتذر بداية عن كلامنا بصراحة و ربما لا يقبله الايديولوجيون و المتحزبون المنحازون الى تنظيماتهم . بل يمكن ان نتهم بامور ان لم يفهموا ما نقصد و الضمير من وراء القصد دائما لامثالنا المؤمنين بالمبادي السامية التي هي المؤثر الاعظم على عقلية اجيالنا كما يعلم الجميع .

ان شعب العراق هو عبارة عن مكونات مختلفة جذريا عن البعض من حيث العقلية و التاريخ و الجغرافية والفكر، و من الناحية الاجتماعية التي هي المثير الاكبر في ابراز الاختلافات و الخلافات، كما توصلها ايضا السياسة في هذه المرحلة، الى حد الاحتدام و الاقتتال .

النظام الموجود هو الفدرالي كما جاء في الدستور. و انه بالمكان ان تقرر كل محافظة ادارة فدرالية لها، و لكن هذا لا يمكن ان يفيد الشعب العراقي بكل مكوناته بشكل كامل، لان الفدرالية لمحافظة او اخرى يمكن ان تفيد هذه المحافظة المطبقة للفدرالية من حيث اللامركزية و من الناحية الاقتصادية اكثرو الا لا يمكن ان نعتقد بان فدرالية المحافظات ستفتح باب السلام وا لامان والاستقرار. و هذا ما حاولت محافظة البصرة، وايضا نوت الاخريات وانتظرت ما تنتجه البصرة لتسهل هي الاخرى خطواتها القانونية للاخريان، و لم تنجح على الرغم من اختلاف البصرة عن باقي المحافظات الاخرى كما نعلم من الكثير من الجوانب . اما ما نعرفه عن الحد الفاصل لتمييز و تفرقة المكونات، هو العرق والمذهب قبل اي شيء اخر، نتيجة اختلاف الجغرافيا و الواقع الذي صنعه التاريخ و ما اثرت عليه الموروثات، رغم الخلط القليل هنا و هناك، و كان بالاماكن ان تتبدى هذه الاختلافات لو استمرت الحال، على الرغم من استعمال القوة المفرطة ولكن بتقادم الزمن، و اننا نعلم جيدا ما اقدم عليه كل مذهب و ليس العرق فقط، في بقاء السمات المميزة لها رغم تعرضهم الى اعتى انواع العقوبات و المتابعة من قبل نظام البعث في حينه في اي خلاف لما كان يفرضه عليهم من الناحية المذهبية . اي هناك مكونات ثلاث الكورد والسنة و الشيعة موجودة على ارض الواقع، و لكل منهم خصائصه و سماته و مميزاته و حالته الاجتماعية التي يمكن تميزها عن الاخرى بسهولة في اية لحظة . رغم المحاولات الكبرى من اجل الغاء تلك الاختلافات من قبل الخيرين، الا ان التدخلات الخارجية و المصالح التي دخلت فيها ازدات من حمم المذهبية، و انها اما بقت كما هي او كما نرى تعمقت اكثر لحد اليوم، و ازدادت التباعد بينهم اكثر يوما بعد يوم .

و عليه، ان كنا نريد قطع دابرهذه المرحلة دون ان نقع في احتمال الفوضى الاكثر عارمة و التخبط الاكثر اضرارا، يمكن بشكل ما ان نقطع الطريق عن سفك الدماء اكثر، و نبعد الانشقاقات و التقسيم اكثر، لابد ان نتجه الى ماهو الواقعي، و الفكر و النظام و التوجه الذي يمكن تطبيقه بسهولة في وقت قياسي، ليمكننا ان نعوض عن الوقت الضائع الذي مررنا به . اي، محاولة مسح و ازاحة ما هو المسكوب و العرقلات التي كونها هذه الخلافات الشديدة خلال العقد الاخير، و به يمكن ترسيخ ارضية لتهدئة النفوس بداية، و من ثم البدء بترسيم و تطييب الخاطر، و بناء ماهو الملائم و المناسب، لما لدينا من الشعب بعقليته و توجهه، و ليس من خيالنا العاطفي الطليعي، او لتوجهات مجموعة من النخبة المثقفة، التي تنظر الى الواقع بخلفياتها و نظرتها الى العراق وليس بواقعية، و ما يمكننا ن نتجه اليه في المستقبل المنظور، يجب ان نبقي على خيط التوحد و بعد تهدئة الامور، من خلال النظام الفدرالي الموجود في الدستور و تطبيقه على ارض الواقع. سوف يحس كل طرف مدى احتياجه الى التوحد، و هو حال الفرد و المجتمع النفسية ان عاش في الرخاء و السلام . اي بعد تنفيذ النظام الفدرالي الحقيقي و بحقوق جميع المكونات الثلاث دون الاجحاف او الغدر باي مكون، و بناء علاقت قانونية مرسومة وفق الدستور و علاقات الاقاليم السليمة مع المركز، يمكن بناء السلم او اللبنة الاولى لتصفية الحال . و يحتاج هذا على الاقل لعقد من الزمن،  كي يقع كل مكون في امر و واقع يعلم بانه الوحدة الطوعية سينقذه من سلبيات الفدرالية ان برزت . و عليه يمكن بعد ذلك ان يحس الشعب العراقي بالسلام و الامان، و يسهل عليه الخطو نحو تجسيد ما يهم الشعب و مستقبله و ما يفيده، و الا ان هذه المتاهات ستطول و لا يمكن لاي مكون ان يخرج منها بسهولة، و ستتدخل الايادي الخارجية اكثر و تمنع اية خطوة صحيحة . وهكذا، ان لم نلهث لانقاذ انفسنا نسير بطرق معوجة و ننام،  الى ان نصحو يوما على انشقاقات نهائية و انقسمات لا يمكن تلاحمها مهما بذلت الجهود في حينه .