احتار الشعب الكوردستاني بين من يقوده بشكل مباشر و بهذه الحال المعروف عنها بانه يعيش في اسواها من كافة النواحي و هي تتخلف يوما بعد اخر نتيجة صراعات المصالح الشخصية و الحزبية و افتعال الازمات للتغطية على ازمات سابقة لها، و ما يضر به من سياسات المتبعة بشكل غير مباشر من قبل المركز العراقي المتسم بالمركزية باسم الفدرالية من جهة و محاولة فرض عقلية الاسلام السياسي بطرق اقتصداية و سياسية على الاقليم و اعادته الى حضن العراق المبتلى بالفساد و الصراع المذهبي الذي ليس للاقليم فيه من ناقة و لاجمل، و في وضع يريد الاقليم ان يستغل فرصة ضعف العراق من اجل مصالح ذاتية لا صلة لها بالمركز .
المغلوب على امره هو الشعب الكوردستاني الذي لا يعلم من هو المحق في الصراع الدائر داخليا بين القوى و الشخصيات الداخلية في الاقليم و في العراق وما بين الاقليم و المركز العراقي . الجدير بالذكر هنا هو بيان مواقف كل الجهات لاستيضاح الامر على الجميع، لو تكلمنا عن السلطة في الاقليم، بعيدا عن من يحكم و ما يمر به من الفساد المستشري الذي ليس باقل من ما موجود فيه العراق بكثير، الا ان العقلية المتعجرفة من الجهات التي تتمسك بما كان سائدا في هذه الدول التي توزعت عليها الكورد على الرغم من اختلاف تركيبتها الفكرية العقيدية من الملكية الى الجمهورية الى العسكرية المتفردة الى البعثية واخيرا الدينية المذهبية، التي لم يجد احد فروقا شاسعة بينهم من حيث النظرة الى الاقليم و حقوقه . الخلافات الدائبة بين الاقليم والمركز العراقي منذ مدة ليست بقليلة و نابعة عن انعدام الثقة و الاهداف المخفية لكل منهما دون ان يذكروها على الملا، فالاقليم يرى من حقه الانفصال و يعمل ربما في السر على اقتناص فرصة للانفصال عن العراق لو سنحت له، و المركز بعمل على التقصير في الواجبات الملقاة على عاتقه بالتملص و قضاء الوقتو التهرب لاعتقاده بان الاقليم لن يقف لحظة في اقرار ما يضمره الاقليم من الهدف الاستراتيجي له، و يريد المركز ان يخرج الاقليم في تلك الحال باقل الخسائر و يقطع منه ما يتمكن .
اذا، ان كانت الخلافات استمرت لاسباب ثانوية الا انها نابعة من السبب الرئيسي العام و هو عدم الثقة في اقتناع الطرفين ان يعيشا مع البعض، و اعتقادهما بان زواجهما غير معلوم النتيجة لحد الساعة لظروف موضوعية كانت ام ذاتية للاقليم و المركز العراقي، عدا تدخلات دول الاقليم بذات الشان . و يمكن ان نوضح بعض جوانب الخلافات و اسبابها :
1- لقد زارت وفود عديدة من اقليم كوردستان بغداد دون الخروج بنتجية او اتفاقية نهائية و كل ما خرجوا به في اكثر الاحيان هو تفاهم مقتضب و مؤقت لم يتحمل نسمة خلاف سياسي اقتصادي بسيط . و هذا ايضا نابع من ما يضمر كل طرف غير ما يعلنونه على العلن من العلاقات و الثقة و الايمان بالتعايش السلمي النهائي تضليلا . و من اهم ما يفرض نفسه دائما على تكرار الخلافات هو عدم ايمان اي طرف منهما بما جاء في الدستور نصا و تطبيقا لعدم التزامهما به، و نتيجة عدم اداء الواجبات التي تقع على عاتق الاقليم و المركز على حد سواء . و كل منهما يتملص لحينما تهل فرصة يمكنه ان ياخذ من المقابل ما يؤمن هو و ليس ما يفرضه الدستور، بغداد مؤمنة بالمركزية و انكار حقوق الاقليم و الاقليم مؤمن بالاستقلال بعيدا عن الفدرالية و نصوصها و ابعادها و ما تفرضه وفق الدستور .
2- الميزانية مشكلة المشاكل لانها هي التي تفرض اسس العلاقة و ليس الواقع القانوني، و السياسة هي التي تفرض الاثنين على الطرفين، اي السياسة هي اليد العليا على القانون و ما يفرضه الدستور من حيث الاقتصاد و بالاخص الميزانية و ما يرتبط به، و ما يخرقه الطرفان من هذه الناحية منذ سنين .
3- من الناحية العسكرية و ما يخص الجيش و البيشمركة و عدم التوصل الى ما يهم البيشمركة من الحقوق العامة و التعامل معه من قبل المركزببرود مقارنة بما اهتم به المركز الحشد الشعبي مثلا كتنظيم عسكري عقيدي مذهبي ليس الا، اضافة الى ما يهم الجيش العراقي و نسبة الكورد و المحاصصة بين الرتب التي ازدادت الطين بلة في التفاهم بين الطرفين و حصة البيشمركة من السلام و الميزانية العسكرية .
4- عدم تنفيذ ما جاء في الدستور من الناحية العسكرية و الدبلوماسية و الاقتصادية نتيجة الخلافات بين الطرفين و ما يكنانه للبعض من الحيل و التضليل دون وجود الشفافية في اي سياسة يتبعها اي طرف، بحيث يعمل كل منهما على اخفاء ما يعمل عليه من خضوع الاخر للامر الواقع من جميع النواحي رغما عنه .
5- المشاكل الجديدة من قبيل مجيء داعش والنازحين و التعامل مع المكونات و الفئات المختلفة من قبل اقليم و المركز بحيث يستغل كل طرف الخلاف بين المكونات الثلاثة السنة والشيعة و الكورد، و يلعب كل طرف لعبته مع الاخرين . ان كل طرف من الاطراف الثلاثة يريد الاستفادة من سوء العلاقات بين الطرفين الاخرين، دون مراعاة لما يتطلبه مستقبل العراق و الاقليم معا .
6- العلاقات الاقليمية و تاثير المحاور الاقليمية على سياسات الاقليم و المركز و ما يتخذه كل طرف من المواقف من المحاور الاقليمية و ما يضمنه و تطلبها، من حيث سياساتهم الاقليمية والداخلية، و للدوليتن ايران و تركيا دورهما السلبي في وصول الطرفين الى اتفاقات و تفاهمات لانهما يستفديان من الخلافات في امور اقليمية وداخلية عراقية لها صلة بالطرفين و الاقليم، عدا ما تفعله امريكا من امور تهمها بعيدا عن مصلحة اي طرف منهما .
و عليه، لا ارى في الافق ما اجد فيه ولو بصيص ضوء لتحسين العلاقة اكثر مما هو الموجود بعدما وصلت الى الحضيض نتيجة الخلافات المالية العميقة و ما يخص النفط و التصدير و الانتاج و الاستثمار، و ازدادت الخلافات اكثر بعد الازمة الاقتصادية و انخفاض سعر النفط و تاثيراته على اقتصاد الاقليم والمركز على حد سواء . و ما عمق الخلافات هو اجتياح داعش لثلث اراضي العراق و موقف كل طرف منه، و ما افرزه من المعادلات الجديدة بين الاطراف الثلاثة الرئيسية في العراق، و عليه لا يمكن تصحيح مسار العلاقات و اعادتها الى حالتها الطبيعية طالما بقت الثقة بهذه النسبة و الاطراف تفكر بهذا الشكل و تسير على سياساتها الداخلية و الخارجية بهذه الطريقة . و طالما دبت الخلافات الكبيرة بين الطرفين استفاد منها الطرف الثالث و تدخل الاقليم في شؤونهم دون وجه حق و اتخذ طرق مخالفة للبعض وموقف معادي في اكثر الاحيان دون ان يعلونه، و طلما استفادت اطراف كثيرة من موقف عرضي و لكن سوء الاستفادة عادت بالضرر اليها في وقت لاحق، و كما نراهم في تعاملهم مع داعش و افرازته السياسية العسكرية .
اما ما يهمنا هنا ان نذكره، ان البرزاني بسياساته التفردية و استناده على مصالحه الخاصة و حزبه و ما كان عليه المالكي و ما ورثه العبادي منه من جوانب كثيرة لا يمكن ان يلتقيا على السلام من قريب او بعيد مهما تشبثا بما يعلناه عن همزة الوصل بين الاقليم والمركز، لانهما على الحال ذاتها ابان عهد المالكي و لكن دون جعجعة الاعلام و الخافات العلنية التي اوصلت الحال الى ابغضها، فالعبادي يسايس الاقليم و يؤخر حل القضايا و المشاكل بين الطرفين على امل مجيء الفرصة السانحة للقضاء على الاقليم من النواحي العديدة بضربات قاضية، كما يعرف منه سياسيا و من تاريخه سواء ما كان يعرف عنه عندما كان نائبا في البرلمان واليوم وهو رئيس الوزراء. اما البرزاني يريد بالمقابل اقتناص الفرصة ان اتت لاعلان استقلال الاقليم لمصالح حزبية و عائلية بحتة باسم المصالح العليا، وكل ما يريده هو تسجيل مجد عائلي شخصي بعيدا عن الاهداف الاستراتيجية للكورد و كوردستان، و الا ان كان الاستقلال على حساب مصلحة شخصية و حزبية له لم يقترب منه من قريب او بعيد كما هو المعروف عنه من براغماتيته الشخصية والحزبية القحة .