ربما يتعجب من يقرا هذه المقولة و هي تحقيق المواطنة في العراق الذي لا يعرف احد هل لازال وطنا ام مقسما على ارض الواقع من حيث عمق مفهوم الوطن، و هل من احد يمكن ان يتجرا و يقول ان الارضية قد يمكن تخصيبها لتهيئة الاجواء من اجل ان يكون لدينا وطنا بسمات و مواصفات يعيش فيه مواطنون بمعنى الكلمة، اي منتمون الى الوطن عقلا و فكرا و التزاما بالواجبات التي تقع عليهم و مطالبين بالحقوق الذي لهم . الانتماءات لازالت متقطعة او متجزاة ان تكلمنا بدقة اكثر، اي لازال الشعور بوجود شعب متوحد منتمي للوطن اسمه العراق لم يتحقق لحد الساعة، و ان كان الانتماء الى قبيلة او عشيرة او حتى فخذ فيه من التعصب الذي يمكن ان يصل الى الاحتكاك و حتى الاحتراب على ابسط خلاف، اولاان التزام الموجود بالدين او المذهب الذي يحتاج اليه اي فرد من حيث الاحتياجات النفسية اصبح بديلا للمواطنة و الانتماء الوطني بشكل مطلق . اما الاحساس بوجود وطن و مميزات لازال في بداياته او لم نصل اليها بعد، لانه حتى البدايات تحتاج الى وعي اكثر منه الى الانتماء النفسي الملائم كما تحتاجه الانتماءات التي يمكن ان نسميها التفصيلات البديلة الاخرى . السؤال هو؛ العراق وهو بلد و عضو في الامم المتحدة، و كيفما كانت البداية، انه انبثق منذ اكثر من تسعين سنة و تركبت مكوناته فوقيا، الا انه رغم التقادم فان الانتماء لم يتم فيه كما هو المطلوب بل لم يُحس به في اية مرحلة كانت من تاريخه، نقصد ما المعلوم عن الانتماء عقلا وعاطفة و ايمانا و ليس سطحيا . انه الوعي الذاتي الذي يفرض القفز على الانتماءات الصغيرة البسيطة التي التزم بها العراقيون بديلا للانتماء للبلد ان نكن صريحين و لم نخدع انفسنا، و هذا له عوامله و اسبابه الموضوعية الكثيرة عدا المستوى الثقافي و العوامل الذاتية التي ترتبط بذات الفرد و تعلقه بمفاهيم تمنعه من التنقل الى الانتماءات الكبيرة التقدمية التي بدات منذ بناء الدول و انبثاقهم، و ازاحت الانتماءات الاخرى كما نرى في الدول الاخرى .

كل انسان في داخله يمتلك خصائص و توجد جوانب تدفعه الى حب الذات اي النرجسية قبل اي شيء اخر، و هذا ما يدفعه الى الاختزال في الانتماءات في النهاية من اجل العناية بالذات و متطلباته الخاصة قبل الغور في متطلبات الانتماءات الكبيرة، و لكن ان تشبعت الذاتية الانسانية من الامور الصغيرة فانه تتجه نحو الاكبر و هي سُنة الحياة، اي ان اقتضى الضرورة تجاوز الانتماءات الصغيرة فان الانسان سيعبرها الى الاكبر و هي فوق الحدود الضيقة لتفكير فرد او مجموعة معينة .

ربما الغربة و الهجرة و النزوح القسري و الابتعاد عن الوطن يزيد من الحنين اليه و يعتقد البعض بانه الانتماء الى الوطن، الا ان الانتماء الصحيح الحقيقي ليس بحنين الى الوطن فقط تحس به و انت بعيد عنه و من ثم تتركه متى تعايشت معه و تضايقت منه. اكثر السياسيين و الذين عادوا الى العراق فيما بعد السقوط كانوا يعتقدون بانهم يضحون من اجل العراق و تبجحوا بانتماءهم الى العراق العظيم كما سموه، و لكنهم في اول خطوة عملية لاثبات ذلك لم يفلحوا، بل اما غادروا الوطن لاستيائهم فيما وقعوا انفسهم فيه او لم يحصلوا على موقع سلطة او عفويا نتيجة احساسهم بانهم لم ينتموا الى اي شيء في الوطن الذي تشدقوا به من قبل نتيجة ضغوطات الحنين البايولوجية و من ثم عادوا الى حقيقتهم، و الباقون لصقوا بالمصالح التي وجدوها في الوطن و ليس ما دفعهم هو الانتماء ابدا .

المواطنة لا يمكن فرضها قسريا او بادعاءات و مبالغات سياسية، و انما هي نتاج لعملية معقدة من الوعي العالي للمنتمي الى الوطن و المنتقل من الانتماءات الصغيرة الى الكبرى، او من فضل الانتماء الكبير على الصغير دون ان يخرج حتى من الصغير. ما نراه في العراق اليوم هو مسح الانتماء الوطني من اجل انتماءت عقيدية فكرية ايديولوجية قحة لا يمكن انبثاق الانتماء الوطني منه، لا بل يمكن ان يكون ضده بالكامل، لان الانتماء العقيدي فوق الوطني يمنع الانتماء الوطني و بالخصوص في حال لم يتوافق العقيدي مع الوطني كما نرى .

لو نلقي نظرة على السعودية و ايران و لم نذهب بعيدا عن المنطقة، لكي لا نقيٌم الانتماءات الاخرى التي وصلت اليها البلدان المتقدمة نتيجة طول تفاعل العملية هناك و فناء انتماءات اخرى نتيجة ايجاد البديل المناسب للفرد و تعويضه لما ينقصه و يفرض عليه امتلاكه الغوص في الانتماءات البديلة . ان ايران فرضت المذهب الشيعي بديلا و من خلاله و التعصب الناتج عنه فرضت الانتماء الى المذهب هو الانتماء المواكب او الموازي او البديل الى البلد و استغل المذهب و الدين كعامل مناسب للمسك بالوطن و فرضه على الجميع و الا لا يوجد هناك انتماء الى الوطن بمعنى الكلمة هناك ( هنا لا نتكلم عن القوميات و المذاهب غير الشيعية التي لا تنتمي اصلا الى ايران باية نسبة تُذكر ). و هكذا للسعودية التي تستخدم المذهب المعاكس و بالشكل و التوجه ذاته، هذا ان استثنينا شكل و تركيب النظام في الدولتين . اما العراق الذي يحتوي في تركيبته الاجتماعية على موزائيك مختلط قوميا ودينيا و مذهبيا، لم يتمسك بشيء من هذا القبيل الموجود في السعوجية و ايران كدولة، بل توزعت ما بين ايران و السعودية، لذا لا يمكن ان نتوقع انتماءا وطنيا حرا عفويا راسخا في العقلية و التوجه و الفكر الا بعبور الانتماء الديني المذهبي، و على العكس تماما من البلدين ايران و السعودية .

الصراع المذهبي النابع من الشر المكبوت في داخل اي انسان و يسوغ له المذهب من اجل تقوية الانتماء لدى المنتمي للمذهب، دفع الى التصارع و التمديد في الصراع دون ان يتمكن احد من ازاحة الاسباب، لانها منغمسة في عمق التفكير الفرد الذي يعايش الحالة في حياته اليومية ( لم نتكلم هنا عن النخبة المثقفة العابرة لهذه الافكار و العقائد الجزئية القليلة العدد ) . ان الوعي الديني بشكل عام حاله حال الوعي المذهبي لا يمكن ان يكبح جماح الشر المكنون في الانسان لانه يفرض الانتماء الى دين او مذهب و يعتبره هو الاحق على الاخر مهما كان معتدلا .

لذا، طالما بقي الشعب العراقي على ما هو عليه، و كما اعتقد سيبقى لمدة طويلة مهما كانت سلطته او حكومته، فان الانتماء الى الوطن و الانتقال الى ارضية اندثار الانتماءات الاخرى ليس بسهولة يمكن انتظارها قريبا، نتيجة لما نعرفه عن الوعي و المستوى الثقافي للسواد الاعظم من العراقيين .