هل من المعقول ان نسمي الاحتجاجات التي اندلعت بشرارة نقص الخدمات وفي مقدمتها الكهرباء في هذا الصيف القارض، يمكن و هي شرارة الاعلان عن رفض الواقع المزري، و ان مظلوم البصرة منتظر الحلفي هو البوعزيزي لانطلاقة الربيع العراقي المتاخر، ام يمكن ان يحسب لها البعض على انها سيناريوهات سياسية اُستغلت و خرجت من تحت ايدي من دعمها والتي كانت لصالحه او اعتقد ذلك، و ربما الهتافات و المطالب السياسية الحقيقية خرجت من الدائرة التي ينتمي اليها من استغلوه بداية من حيث الفكر والايديولوجيا، ومن اراد ان يركب الموجة و يستفاد منها لتقوية مكانته و النجاح في صراعه الداخلي في حزبه وعلى الساحة السياسية بشكل عام، او ربما بتوجيه منه بداية، و كما نرى نجح العبادي من خلالها في التخلص من خصومه، الا انه سيواجه اصعب منهم سواء على ارض الواقع من خلال مسيرة التظاهرات و الاستنهاض الذي حدث في حركة الشعب او ما اتخذته مسيرة الاحتجاجات من التوجه نحو هدفها الصحيح و الذي يحتاجه العراق( لا اعلم ان الوقت ملائم و تحوي الحركة على مقومات التحدي و النجاح ام ستجهض مبكرا) من الهدف المنشود الذي يجب ان يصل اليه العراق اليوم كان ام غدا .

يبدو ان الخوف من خروج التظاهرات عن الحدود المرسوم لها او انزلاقها عن الدائرة التي تفيد مجموعة دون غيرها، قد يؤدي الى قضمها بالقوة الغشيمة بشكل مباشر او غير مباشر من قبل الحكومة كانت التي استفادت منها كثيرا او من المتضررين الاخرين لاعادة المكانة التي فقدها من تضرر منها . و اليوم ربما تعود الحال الى الوضع المستقر لها تقريبا و التي اريدت منها انطلاقة لدحر الاخرين بضربة قاضية كما فعلت رئيس السلطة التنفيذية، و لكن دون ان تنتهي الصراع بشكل نهائي، و المباراة متواصلة و الصراع قائم رغم ما يشتهيه البعض من استخدامها في مكان ليس للشعب الا القليل منه . ان الهزة التي احدثتها هذه التظاهرات قد استنهضت كل الهمم و وحدت الجبهات الشعبية وهذا الجانب الايجابي، و ربما قد تتواصل الحلقات في ربط ما يجري الا اذا وأدتها الحكومة او غيرها من القوى المتنفذة الموجودة على الساحة، كما فعلت بالامس في بابل و البصرة، على الرغم من الراي الصائب حول عدم تلائم الوقت و المرحلة مع خلق اعتصامات دائمة .

هل الوقت ملائم لاعتصامات دائمة، و الوضع السياسي العسكري العراقي حساس الى درجة يمكن ان يفرط العقد و يُستغل من قبل داعش و غيره و يزيد الطين بلة في هذه المرحلة الحاسمة . على الرغم من اننا نعتقد بان الاصلاحات التي اعلن عنها العبادي و صدقها البرلمان، ربما تفيد دائرة ضيقة و تغلب جهة على اخرى في الصراعات، ومن المحتمل ان يكون الفاعل هو الشعب خارجا بكافة فئاته بخسارة فادحة بدلا من ما تقدم من اجله، الا انها ايضا من المحتمل ان تقع لصالح الشعب في جانب منها، و هو اعادة صرف الثروات المفرط بها الى مكانها الملائم من كيفية التصرف بها لصالح الشعب في هذه الازمة الخانقة، و في هذا الواقع الاقتصادي الحرج الذي ينخفض سعر النفط الى ادنى مستوى له في هذه المرحلة .

هل استفادت الحكومة في ضرب المقابل القريب او البعيد من الناحية العرقية و الطائفية و كانت خطواتها لصالح فئة معينة ام الاصلاحات تفيد الجميع، هذا هو المشكوك فيه، لان الجانب المصلح الذي اتخذ زمام الامور بعد انطلاق التظاهرات و من حوله لازالوا محسوبين على فئة و جناح و حزب و ايديولوجيا و تاريخ معين، ولحد الان لم يتضرر منهم في الخطوات القليلة السابقة الا شخصيات معينة فقط و من الجانب الشكلي فقط، الا ان مستقبل النظام السياسي في العراق و التوجه غير مضمون لانه يتوقف على ما يحصل و ما نصل اليه و ما تطور من الوضع وكيف يتعامل المتنفذون مع ما يجري .

يجب ان تؤخذ حال و ما الت اليه ظروف الدول العربية المنتفضة و الثائرة من قبل بنظر الاعتبار، و الاعتبار منها ليس بسهل لما نعلم عن ما و من يحكم العراق، و ليعلم الجميع كيف عقدت هذه الدول الثائرة مسيرتها و كيف خسرت ما حصل فيها بدلا من ان تستفاد تضررت و انعكس الامر الى غير المنتظر او المنشود اصلا، و كما حصل في سوريا و ليبيا و اليمن على وجه الخصوص . فالعراق اكثر تعقيدا من الاخرين من حيث الجغرافيا و التاريخ و السياسة و التركيب الشعبي و الروابط الاجتماعية الثقافية الاقتصادية، لذلك يستوجب الحذر الاكبر .

فان كانت الاحتجاجات جاءت عابرة لهدف و توجه ضيق من قبل فئة او حزب او جهة ما و ليست نابعة من توجهات مدنية او شعبية بحتة، كما يدعي البعض، فلا يمكن ان تقع لصالح مجموعة معينة فقط و ننتظر ان تنجح في النهاية، الا انها سوف تكون عصا بيد الاخرين و في غير محلها، ان لم تتوحد الناس وكما استخدمت القوة الغاشمة ضدها كما فعلت المجموعات الملثمة بالامس، دون جواب حاسم .

لقد انقطعت العلاقة بين الشعب و حكومته ( ليس شخص العبادي في هذه المرحلة ) و الطبقة السياسية على العموم، و عليه، لا يمكن ان تنجح الاحتجاجات الا اذا كانت في غير صالح السلطة العادلة المنشودة ( ليس شخص معين) و هذا يكون صعبا او مرفوضا من قبل المتنفذين و يمكن اجهاض ما يجري باية حجة كانت في ظل عدم وجود الجيش و الشرطة الوطنية المستقلة، و في ظل وجود ميليشيات عاملة وفاعلة ليس لها مثيل في اية دولة من دول الربيع العربي .

ان العامل الرئيسي لم يكن موجة حر بقدر ما كان الغضب و الاحتقان المدفون في نفس و حال العراقيين بجميع طوائفهم، و ياسوا من حالهم و من السلطة والاحزاب جميعا لما تجرعوه من مر السقام لم يشهد تاريخ العراق بهذا الكم الهائل من التعقيدات و الفوضى و في ظل الثروة الهائلة خلال السنين المنصرمة و نقص الخدمات الضرورية .

ان رئيس الوزراء سار مع الموجة و تراسها وحتى يمكن ان نقول انه استغلها و نفذ كان يضمر وما امره به المرجعية التي تدخلت بشكل مباشر، و انه اي العبادي كان اساسا المعتمد عليه ليكون مصلحا و موثوقا من قبل الجميع و ان لايسير على خطى سلفه، ويستهل دورته بازالة الاثار السلبية في الحكم من الفساد و التهميش و الاقصاء والتفرد في الحكم التي اتسم به سلفه، لكونه من الثقافة وا لتربية و الجغرافيا المغايرة لمن سبقه، و انه سائر مع ما يجري و يتوقف حياته السياسية و مستقبله على ما يمضي معه و يسير به الى النجاح فيه، و ان لم ينجح في مهمته سوف يقضي على اهدافه الذاتية و ينتهي سياسيا في النهاية بسرعة كبيرة . الا ان الصعوبات كبيرة وقائمة داخليا وخارجيا، و يجب ان يعتبر الشعب لما وراء الستار ايضا، و العفوية ستضر في الكثير من الاوقات، لان المتدخلين سواء كانوا خارجيين او الداخليين الموالين لهم سيعملون بخطط و توجهات من اجل مصالح و سيتقدمون بما يمكن عمله لكونهم يملكون الخبرات و القدرات الكبيرة .

المرحلة الحالية صعبة على الجماهير و على العبادي ذاته، لجملة من الاسباب، وهو يكمن في التساؤل؛ من يصلح و من ينفذ و من يدعم ان كان العبادي يتعرض لحزمة من العوائق والصعوبات من الحلقات الكثيرة من المقربين الموالين لخصمه، ومن الجهات المتعددة المتضررة من خطواته، و باية الية يمكن ان ينجح، هذه عوائق واقعية صعبة الحل، و لكن لو تمعن العبادي و دقق اكثر و اختار الصح من الخطط و الالية و اعتمد على الشعب و كان صادقا، فانه سينجح مهما تبجح المغرضون . لقد اصبحت كل الظروف و ما ينضوي فيها لصالحه لحد اليوم .

يمكن ان نقول ان المرحلة الاولى قد شارفت على الانتهاء، المرحلة الثانية تتطلب هدوئا شعبيا و اصلاحا قضائيا لتسهيل الامر و تسوية الطريق من اجل السير بالسرعة المطلوبة لتنفيذ الاصلاحات التي وعد بها و هي كبيرة و تلقى تحديات اكبر، و لكن التعاون و الصدق مع الذات و الابتعاد عن الايديولوجيا الضيقة و التوجهات المنفردة سيدفعه و الخطط الناجعة نحو السكة الصحيحة . فهنا يجب ان نقول، ان المرحلة الحالية و ما بعد المرحلة الاولى، تحتاج العملية الى التريث و الهدوء و الانتظار الواعي من قبل الشعب لفسح المجال لتحقيق ما حددت من الاصلاحات في فترة معينة دون الابتعاد كليا عن الشارع او البرود في العملية، و من ثم يمكن تقييم الوضع و البدء في مرحلة مكملة في وقتها المحدد، و لكن نؤكد هنا دون انقطاع عن التظاهرات الاسبوعية بعيدا عن الاعتصامات و الاحتجاجات الدائمة التي يمكن ان يستغلها مصارعو العبادي قبل الاخرين .