كما يقول المثل لا يصح الا الصحيح في النهاية، فان عدم تلائم و تناغم اي شيء مع الظروف المحيطة به من حيث البنى التحية و الفوقية التي يحملها لا يمكن ان نتوقع نجاحه و نهايته و مصيره الفشل دائما مهما تنكر بغير ماهو الواقع كما هو المعلوم .

اي دولة ناخذ لنثبت صحة القول، العراق ام مصر ام تونس ام ليبيا ام تركيا الشبه الاسلامي التي قاومت لانها ليس بالاسلامي المطلق كما الاخرين و انما تعيش على التراث المتوارث عثمانيا .

ان الفشل كما هو المعلوم قائم على اسباب ذاتية لهذه الاحزاب و الموضوعية التي تحيط بهم، و الموجود هو الذي يستوضح اسباب تخبط المسيرة التي يسيرون فيه . فان ما يحملون من الافكار و الايديولوجيا البالية التي لا يمكن ان تصح لمجموع الشعب و انما لفئة او حلقة او حزب فقط، و الاصح انه يخص الفرد و نفسيته و اعتقاده و فكره و نظرته للحياة، اما الواقع الذي يوجد فيه المجموع المختلط و الذي يتسم بالتغييرات التي تفرض نفسها عليه نتيجة التطور الحاصل في العالم والاحتكاك و ما يتميز به بعيدا عن صلب الفكر الديني في الحياة العامة، في حال توجه البلد التقدمي و ليس الرجوع كما يحصل في بعض بلدان المنطقة نتيجة تورطه بالحرب و الفوضى و التخلف و انتشار الجهل .

لم يستمر حكم الاخوان في مصر اكثر من سنة او لم يكملها اصلا، و افرز ما لا يمكن ان يقبله شعب عريق متطور و حامل للتاريخ و الحضارة مهما كانت هناك شواذ تتخلل فئاته . و هذا العراق الذي لم يكن حرة و مستقلة بل سيرته االايدي الخارجية التي فرضت عليه الشواذ لم تدم حاله و خرج عن الطوع الشعب بعفويته رغم وجود العادات والتقاليد المتوارثة من التاريخ الاسلامي التي طالت في العراق وفرضت نفسها في عقلية و اعتقاد الناس و ثبتت ما كانت تحوي على شؤون الناس و غيرت حتى من طبيعتهم، و هي التي تساعد على بقاء الاحزاب الاسلامية، الا ان هذا العامل ايضا لم يفد الاحزاب الاسلامية و لم يقهم من الفساد و لم يوفر لهم عوامل البقاء بالشكل الذي تمددوا فيه و هو خلاف لما تتصف به النخبة على الواقع . لازال هناك احتمالات لبقاء سيطرة الاسلام السياسي على زمام الامور نتيجة الهيبة و سطوة و بقاء قدسية المرجعية التي تفرض ما تريد و ان ضاق الامر بالشعب ذرعا الوضع القائم من كافة النواحي .

وجود الصراعات الاقليمية المتشددة في المنطقة و التدخلات الكثيرة من قبل دول الاقليم في العراق فرض عليه طول مدة الفوضى العارمة التي اصابته بعد سقوط النظام . ان المحاور المعتمدة على الدين و المذهب ازدادت من تهيء الظروف التيساعدت على نشر و فرض الاحزاب الاسلامية، اضافة الى الكبت و المضايقات الكبيرة التي فرضت بالقوة على المنتمين لتلك الافكار و الفلسفات و ظلوا متمسكين بها تلقائيا ايضا، و هذا ما جعلهم لم يدركوا الاصح و ما لا يلائم العصر و متطلباته ايضا، و اطال من امد الخنوع و عدم الانتفاض رغم الصعوبات .

اما في مصر، فان الشعب و الظروف و النسبة العالية من الثقافة العالية و الوعي المطلوب و التفاوت النوعي و سمات النخبة و مستوى الثقافة و المعرفة كان لهم تاثير مباشر على التغيير السريع اضافة الى وجود جيش حر مستقل و مهني لم يخضع للايديولوجيا و الفكر الديني .

اما الاسباب الموضوعية لفشل اي حزب اسلامي ان لم يتطور و يصل الى مصافي الفكر الليبرالي فانها كثيرة و الموضوعية اكثر تاثيرا بشكل ايجابي من الذاتية . لا يمكن فرض عودة المرحلة التي يصل اليها الشعب من النواحي الثقافية و الفكرية و المعيشية بشكل عام و لا يمكن تلائم الفكر السلفي الجامد المبني على ظروف عشرات القرون التي مضت و ان يفرض على العقل الواعي لدى الشعب مهما كانت نسبة الجهل و التخلف فيه . ربما يمكن ان يفيد هذه الافكار شخصيا للفرد بحد ذاته من الناحية السايكولوجية نظرا لصعوبات و متطلبات الحياة و الفقر و عدم توفر امكانيات المعيشة او توفير الضرورات و المتطلبات و التوجه الى الخيال لصبر الذات و تاجيل المتطلبات الحياتية و التفائل بما يضمنه الغيب . اضافة الى ذلك ان هناك الخلل الموجود في المنهج و الفلسفة السياسية لدى الحزب الاسلامي بكافة انواعه و توجهاته، و هو ما يفرض سرعة وضوح الخلل في وجوده اصلا . و لا يمكن ان تتحجج هذه الاحزاب بالسياسة في فشلهم لان القوى الراسمالية الى جانبهم و لمصلحتهم دوما، اضافة الى الفقر المسيطر و ظروف انتشارهم .

و لم يلق الحزب الاسلامي الاذان الصاغية في تونس نظرا لتعمق العلمانية و الوضع الاجتماعي المختلف عما هو في الدول العربية الاخرى، و هناك ما يجعا ان يفرض اليسار و المراة نفسهما على الواقع السياسي و اصبحا سدا منيعا للفوضى التي كانت واقعة لا محال لولا نجاحهم في منعها لحد اليوم .

بعد اكثر من عقد و العراق يعاني من اللاملائم و الطاريء في حياته العامة، و لكن وجود الاسباب و العوامل السياسية الخارجة عن ارادة الشعب من حيث مساعدة الراسمالية و الدول الدينية المجاورة قد اخر الانتفاض و فرض المعاناة و الفساد و التخلف على المجتمع . اليوم تظهر بداية الافق و لكن بدات ايضا بمساعدة المرجعية او يمكن ان نقول بالاحرى، بعدما ضاق الشعب ذرعا و خرج بتظاهرة مليونية فصعدت المرجعية الركب و فرضت رايها و هذا ما ساعد العبادي اكثر في نجاح خطواته لحد اليوم و ربما يواجه العراقيل مستقبلا .

اما الاسباب و العوامل الرئيسية لفشل الاحزاب الدينية في حكم البلدان ليست نابعة من مسيرة الحكم بقدر ما هي موجودة في صلب و فحوى هذا الفكر من المعرقلات الذاتية التي تفرض التناقض مع الذات داخل البيئة التي لا يمكن ترهيمها مع غير المناسب من كافة النواحي . لذا فشل الاحزاب الاسلامية في السلطة قائم من ذاته مهما طالت العوامل الاخرى في اطالة مدة حكمها و بقائها على حساب مصالح الشعب . لو نرى تركيا فانها تحوي في كينونتها عوامل اسقاط هذا النظام و لكن توجه حزب العدالة و التنمية في ازاحة العراقيل بعوامل غير اسلامية و مسيرة متخبطة غير نابعة من ثوابت الاسلام العربية، فانه نجح في استغلال الاسباب الموضوعية لنجاحه المرحلي غير النهائي، اضافة الى التراث العثماني الذي يثبت نفسه في كيان الشعب التركي الذي يفتخر به و هو يتمسك به و يعتبره عامل تعاليه و غروره و نقائه و تفرده في الصفات التي تجعله هو صاحب الامكانية في السلطة، الا ان الوقت يسير نحو مضايقة هذه التوجهات ويحتاج لشرارة حقيقية لازاحة ماموجود، و لكن من الناحية الاخرى من المحتمل عودة الاسوا من الدكتاتورية قبل العلمانية و يمنع الحرية و يصد الظروف المؤاتية لتحقيق اهداف فئات الشعب .

اي بشكل عام، فان فشل في السلطة الاسلامية ليس مستندا على عدم وجود الخبرة او الامكانية بقدر وجود اسباب موضوعية في فحوى الفكر و التوجه الذي تحمله هذه الاحزاب غير الواقعية التي تتهيا فجاة الظروف لاعتلاء زمام الامور في هذا العصر .