في هذا الوقت بالذات الذي اثبتت تركيا بافعالها للجميع بانها لا تحمل في مخيلتها السلام الحقيقي ولا تنظر الى التصالح الا كتكتيك يومي من اجل اغاراض اخرى و هي تستفيد منه في تغيير الواقع التركي كما تريد وتهدف الى تمهيد ارضية لفرض نظام رئاسي جائر يتفرد فيه شخص بصفات اردوغان النرجسية ليس الا .

لقد تنازل الكورد خلال السنوات الماضية التي اعتبرت بداية خير لاعادة النظر في الاخطاء التي ارتكبها النظام التركي خلال العقود الماضية و رفع الغبن عن شعب تعداده اكثر من ثلاثيت مليونا، و تظاهر النظام بانه مصر و جدي في ذلك الا انه في اول تجربة ديموقراطية و فوز حزب الشعوب الديموقراطي بحقه الطبيعي جن جنونه و لم يتمالك نفسه الا و يكتشف ما كان ينويه من كل تلك الخطوات التي اعتبرتها عملية السلام، و لم تكن الا عملية تنوي تركيا من خلالها اعادة ترتيب اوراقها بعدما ياست من دخولها الاتحاد الاوربي، و فكرت في ان تناسب و تلائم الداخل التركي مع ما هدفت اليه من ما تمنت ان تقود المنطقة و تتوجه نحو الشرق بدلا من بقائها منتظرة رحمة الغرب الذي طال عليه السماح لدخول الاتحاد الاوربي بسبب عدم توفر الشروط التي تؤهلها ان تكون عضوا فيه .

بعد المواجهات الدامية التي بداها و عمل عليها اردوغان لمصالح ضيقة في هذه الاونة و بعد النتائج الانتخابية التي جاءت على عكس هواه نتيجة احساسه بعدم تحقيق حلمه في ان يكون رئيسا قويا يسجل لنفسه مجدا اتاتوركيا بصورته الاسلامية و بامكانية و قوة عثمانية، و اعتقد بانه خسر الاثنين معا، على الرغم من كونه رئيسا لحزبه على ارض الواقع و تكليف داود اوغلوا كمنفذ لرغباته كرئيس حززب شكلي فقط و ليس رئيس حقيقي لحزب يعتبر ارجوغان نفسه مالكه الحقيقي . و بعد فشله في الحصول على الاكثرية المريحة لتحقيق اهدافه، انه يعتقد في قرارة نفسه بانه فقد منصبه الحزبي ولو رسميا فقط من اجل حلم رئاسي و هو لم ينجح في ذلك ايضا و ضاعت مسيرته بين الحانة و المانة، بعد اجتياز الحزب الشعوب الديموقراطي الحاجز و دخوله البرلمان و عدم فوز حزب اردوغان بالشكل الذي نوى، فانه احس بانه خرج من المولد بلا حمص. اي كل ما يفكر فيه اليوم هو اعادة النظر في كثير من الامور لترتيب اوراقه الشخصية و الحزبية و استغلال موقعه و صلاحيته و سلطته في اعادة نفسه الى مكانته السابقة على الاقل، لذلك يحاول باي شكل كان ان يمهد لاعادة الانتخابات بدون الحزب الشعوب الديموقراطي و رموزه ان تمكن، و الخوض في تجسيد ارضية للحصول على الصلاحيات الرئاسية التي يحلم بها من اجل تحقيق ما يامل من السلطنة الاردوغانية .

بعد عملية ما سميت بالسلام طوال اعوام و تعيد تركيا مرارا طلب نزع السلاح لحزب العمال الكوردستاني قبل ان تقدم هي على خطوة مشجعة تضمن عدم كذبها، و هي تؤكد عليه اليوم و في الوقت و الظروف التي هي متاكدة من استحالة ذلك في هذا الوقت بالذات، بعدما كشف اردوغان نياته و تكتيكاته بعد فشله من اول تجربة ديموقراطية عملية كانت لغير صالحه، و عليه فكر و تقدم خطوة الى الامام من اتفاقه مع امريكا في محاربة داعش صوريا و التركيز على محاربة الحزب العمال الكوردستاني على الارض عمليا . متناسيا بان العالم اليوم غير الذي كان قبل صمود المقاتلين في كوباني و البسالة التي ابدوها في معركتهم نيابة عن العالم، فيما تراجع خطوات في تعامله مع الملف الكوردي و المصالحة و السلام المنشود وهو ما يؤكد عليه القاصي و الداني .

من الامور التي استوضحت على الارض و ما يفعله اوردوغان و حزبه، فاننا نؤكد بان الفوضىى المتقصدة ليست الا من تفعيله ولامور سياسية داخلية ليست بذات جدوى في تحقيق الاهداف الشخصية و الحزبية التي ياملها اردوغان و يعتقد بانه يحققها خلال فوضى خلاقة على حساب حرية المواطن التركي و الكوردي و مصلحتهما . السؤال الذي يطرح نفسه هنا، هل تتمكن تركيا من اعادة ثقلها و ترتيب موقعها الى ما وصلت اليه ايران بعد نجاح مفاوضاتها مع الدول الغربية لتكون موازية لها في صراعات المنطقة ام اصبحت متخلفة بخطوات قد مر عليها الزمن و تبقى كذلك مهما حاولت خلط الاوراق و اعادة توجيه الانظار اليها . اننا نعتقد بان تركيا مهما حاولت ان تعمل على احداث الفوضى و تحاول ان تخرج منها ببداية لما تعتقد انها اخطات مرات من قبل في خطواتها و ما تبين هذا جليا من تلهفها في الدخول الى التحالف الغربي ضد داعش ولو اسميا في وقت قياسي و بسرعة صاروخية و دون تمهيد و بدون ماء وجه لما اصرت عليه من و قبل عنه بهذا الشكل، انها تعتقد بان دخولها التحالف ضد داعش هو النافذة التي تتمكن من خلالها ان تعيد المسار الى ما تعتقد بانها تتمكن منها، و بما تملك ما يؤهلها ان تطلب و هي عضو في حلف الناتو و لها موقعها و كلمتها و موقعها الاستراتيجي . و عليه لا يمكن الا ان ترضخ الجهات الى الطلب التي تصر عليه تركيا و هو نزع سلاح حزب العمال الكوردستاني كما تعتقد، و هي تعلم انه مرفوض من بدايته لما في العملية من مخاطر على مستقبل الكورد و حياتهم من تنفيذ ذلك الطلب غير السياسي و اللامعقول و لم يحدث من قبل في مثل ما اقدمت عليه تركيا اليوم و بعد وضع غير مؤهل حتى على خطوات السلام التي سارت ببطا اصلا، و حدوث فتور بين الجهات التي لم يكن بهذا الشكل من قبل .

نقول هنا و من قرائتنا للتاريخ، مهما تجبرت الجهات المعتدية الجاحدة و ما تنويه من تحقيق اهداف بعيدة عن الحقوق للجهات المغبونة، فانها لا تستطيع تامين مستقبل لما تفعله و تقدم عليه بالقوة الغاشمة، و اليوم ليس بامس في ادارة البلاد و ما يشهده العالم و تواصلهم مع البعض له ما يفرضه و متطلباته من كافة النواحي السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية و على تركيا ان تنظر الى ذلك بعمق و تروي . فخير لتركيا ان تفكر في العمق كدولة موجودة بما تملك من الامكانيات التي تفرض قوتها السياسية و ليس على حساب مصالح و امنيات و اهداف الاخرين و حقوقهم، و ليس اردوغان الا عنصر عثماني في زمانه و يفكر و هو في الماضي و يفعل ما يتامله دون النظر الى متطلبات الحاضر و مستجداته و المتغيرات التي جلبها معه العصر نتيجة فرضيات التغييرات المختلفة في العالم و ليس في المنطقة فقط .