ما يشهده اقليم كوردستان في هذه الايام هو النقاشات الحارة و الاحتدام الحاد بين الجهات العديدة حول موضوع الساعة و هو شكل و محتوى و منهج الدستور في كوردستان كاهم مسالة، و ما يُراد تغطيته باشكال و طرق مختلفة و منها التركيز على مسالة اعادة انتخاب رئيس الاقليم للمرة الرابعة دون اي وجه قانوني ودون اي تغيير في سلطاته و صلاحياته كما يطلبه الحزب الديموقراطي الكوردستاني، ومن ثم تمرير الدستور باي شكل كان .

كما ان هناك محاولات متعددة من الجهات المختلفة و في مقدمتها احزاب الاسلام السياسي التي تريد استغلال الواقع الفوضوي للاقليم نتيجة حرب داعش و عدم توافق القوى حول مواضيع الساعة لتمرير ما يؤمنون، و به يعلقون الواقع الكوردستاني المعيشي في وحل التخلف و عدم امكان الخروج منه بسهولة في المستقبل القريب، و كما هو حال العراق و ما موجود من الدستور غير الوقعي و خليط من المواقف التي فرضتها ساعة كتابتها دون النظر الى البعد و ما بعد المرحلة التي كتب فيها، فان القوى الكوردستانية تريد اعادة الخراب و الخطا الذي ارتكتبته القوى العراقية في حينه، و ما تسبب هذا في الفوضى و المعاناة التي وقع فيها الشعب العراقي بجميع مكوناته لحد اليوم، و مُرر دستور ناقص و تركت ثوابت كان بالامكان تثبيتها في الدستور و دون تركها لتُنظم بقانون الذي لم يصدر حتى الان منها الا القليل جدا و منه الاهم م و هو قانون النفط والغاز و قانون الاحزاب و الخدمة المدنية و الاحوال الشخصية و غيره .

هناك اطراف لهم باع طويل و مهم في شان الدستور و لهم الامكانية التي يمكن الاستعاضة بهم دون ممثلي الاحزاب الذين لا يملكون الا تنفيذ اوامر احزابهم في لجنة الدستور، و للاسف همشوا هؤلاء الخبراء و هذا بداية الصدمة للجميع، و لم يدعى اي منهم في هذه اللجنة المحاصصاتية التي لا تدر شيئا ايجابيا على الموضوع المطروح .

اما الراي العام فانشغل بقضايا ليس له اي ناقة فيه او جمل، و برزت في هذه الاونة مجموعة من الاحداث عدا ما ينشغل فيه اقليم كوردستان من الحروب و نقص الخدمات و الازمة الاقتصادية و عدم توفر الكهرباء و الماء بشكل ملائم لابناء الشعب، و هو دمجهم في موضوع الدستور وفق ما يُقال لهم من خلال الاحزاب و كيفية اعادة رئيس الاقليم كي ينشغلوا عن امورهم و مصالحهم الخاصة و ينسوا الفساد المستشري و ما جلب للاقليم من الويلات في نتيجته .

المثقفون، اما ياسوا من ما يجري و يعتبرون ما يحصل لعبة الاحزاب و في كل مرحلة باسم و شكل و موضوع معين لتغطية الفشل، او ليس لهم الدور و همشوا نتيجة سيطرة الاحزاب على كافة الامور دون فسح ولو مجال قليل هم و هم اصحاب الشان و المخلصين البعيدين عن مصالح الحزب و الاشخاص المسيطرين على زمام الامور في كوردستان . اما الراي العام من جهة اخرى لم يفرض نفسه لحد الان بشكل مستقل لان الاحزاب تعمل وفق ما يطلبه الشعب و هو الخدمات قبل اي شيء و ان كان استراتيجيا و مهما كانت افرازاته، وللاسف لا نجد ما تتطلبه المصلحة العامة في مواقف الشعب، و عليه من واجب النخبة المثقفة و المخلصين هو توضيح اهمية المسائل المطروحة و من الواجب ترويج الصلح على الراي العام للمساعدة في اختيار الاصح من النتائج، او عدم المبالاة الذي يفرضه الياس و الملل الذي فر ض نفسه على عموم الشعب .

و كعادتهم، الاحزاب السياسية الاسلامية تستغل ما موجود من الارضية المناسبة لفرض مواقفهم نتيجة النقص في الخدمات العامة و تذمر الشعب و استغلالهم لمستوى الوعي و الثقافة العامة الموجودة و ما يسير عليه الشعب في هذه المرحلة و ينجحون الى حد كبير في تحقيق اهدافهم الخاصة، اما الاحزاب البراغماتية او الليبرالية و التي لا يمكن ان يصنفوا ضمن الاحزاب العلمانية فهم مشغولون بما يهم مصالحهم الضيقة دون اي يعيروا اي اهتمام بما يخص الشعب على العموم . و عليه هناك نسبة معينة من المثقفين المهتمين بهذه الامور المهمة في حياة الناس و ليس لهم حيلة في الصراع مع تلك القوى المتعددة الكبيرة التي تعرقل التوجهات العلمانية الصحيحة لهذه النخبة .

و عليه في اعتقادي نجد انفسنا باننا نخرج بدستور خليط غير علماني و لا يتوائم مع الواقع و المستقبل المنظور في كوردستان، و عليه يبقى الشعب لمدة طويلة في معمة تلك الصراعات التي لا داعي لوجودها و من الممكن تجاوزها بسهولة لو توفرت عوامل تسند الاصح، و منها تخلي بعض من الاحزاب لمصالح ولو بسيطة من اجل الخروج بدستور علماني ملائم بعيد عن التعقيدات التي اقحمت عنوة في الدستور العراقي و لا يزال يعاني الشعب من افرازاتها .

من الامور المحزنة هو الاصرار الذي يشهده الشارع الكوردستاني من احزاب الاسلام السياسي على سلك طرق ملتوية من خلال تضليل الشارع في حال الخروج بعلمانية الدستور، و وصلت الحال الى حد تخوين من يعمل على علمانية الدستور و حث و تحريض الشعب على الطريق الصحيح و بيان ما يقوم به المتخلفين على تشويه سمعة النخبة الواعية و هم تكلموا و بينوا رايهم بكل وضوح و صراحة .

اذا، لو قيمنا الواقع و ما نحن فيه من كافة النواحي فاننا امام موقف يجب ان نختار احدى الطريقين، و لكن الارضية التي اثرت عليها احزاب الاسلام السياسي وضعت حجر عثرة امام تسيير الامور بشكل سلس، اما دستور خليط غير واقعي كما هو الدستور العراقي او الخروج بالنسبة المقنعة من علمانية الدستور . و اليوم نحن امام مرحلة حاسمة تتطلب من كل من تهمه كوردستان و مستقبلها، المطلوب هو بيان الموقف الصريح و محاولة التاثير على ما يجري كي لا يتفرد اصحاب الافكار والفلسفات الميتافيزيقية ان يفرضوا ما يحملون دون اي اعتبار للاكثرية، لان الاكثرية غائبة نتيجة الصراع الدائر بين الاحزاب السياسية المتنفذة و استغلال ما يجري لمصالحهم الضيقة على حساب دستور ملائم و هو ما يهم مستقبلنا اكثر من رئاسة الاقليم و هذا الحزب او الشخص او ذاك .