مهداة لذكرى الانسان والمناضل عادل سليم .....

    اصل القصة ...... لااحد يشبه عادل سليم

الترجمة \ شوان شفيق عبدالرحمن

الاشراف اللغوي \  الاستاذ منير العبيدي

المراجعة والتدقيق \ شه مال عادل سليم   

تم طبع الكتاب بدعم من صندوق عادل سليم الخيري .....

                               

                         

*  صندوق عادل سليم الخيري , تأسس كمبادرة خيرية من قبل المناضلة فتحية محمد مصطفى زوجة عادل سليم في عام 1992, لدعم الاعمال الخيرية في جميع انحاء العالم بشكل عام والعراق بشكل خاص ..... و يقوم الصندوق بحملات توزيع مساعدات مالية على عوائل الشهداء ممن افتدوا بارواحهم الطاهرة الشعب وقضاياه العادلة ...كما يساعد الاطفال والطلاب المحتاجين بتوزيع مخصصات عليهم لتامين استمرارهم في الدراسة .. وبالرغم من قلة المبالغ المخصصة الا ان تجارب السنين الماضية اثبتت، انها تمثّل حافزاً مشجعاً للطلاب وله تاثيرات ايجابية كبيرة على نفوس الاطفال وعلى وضعهم الدراسي والمعيشي .....  ويسعى الصندوق  ايضا  الى ايصال المساعدات والمعونات الى عوائل الضحايا في عموم العراق ........ ريع الكتاب مخصص لصندوق  عادل سليم الخيري .

1                                       المقدمة

بقلم -منير العبيدي :

" اكتب على يد عادل سليم " هو قسم من رواية تحت عنوان " طفولتي غزال ينط فوق قوس قزح " . كاتب الرواية هو الكاتب الكوردي كاروان عمر كاكه سوور  ، كتبت الرواية أصلا باللغة الكردية ، اما الجزء الذي بين يدي القارئ فقد ترجم إلى العربية و عنوانه يحمل اسم الراحل عادل سليم الشخصية اليسارية الكردية البارزة الذي يرد اسمه أيضا في متن النص في أكثر من مكان .

بالرغم من يقيني بأن اسلوب الكاتب التلقائي و البسيط يسم جميع أعماله ، الا ان هذه البساطة و التلقائية هنا بشكل خاص تتوافق مع تلقائية بطل قصته هذه ، فعادل سليم كان شخصا صادقا و مباشرا في علاقاته مع الآخرين و قد عرف في عدة مناسبات انه يقول الحقيقة بكل هدوء و ثقة و بلغة صافية تصدر من اعماق نفسه و قد التقيت الراحل عادل سليم في أكثر من مناسبة أحدها ضمن وفد إلى بلغاريا في سبعينات القرن الماضي .

و لد الكاتب كاروان عمر كاكه سوور في مدينة أربيل في عام 1964 و يعيش حاليا في الدنمارك، حاصل على بكالوريوس في الآداب جامعة الموصل قسم التاريخ . أصدر حتى الآن 6 مجاميع قصصية وله مجاميع قصصية أخرى تحت الطبع . يكتب و ينشر في الصحف و المجلات التي تصدر في إقليم كردستان في مواضيع أخرى متنوعة : فلسفية ، فكرية و نقدية و قد أصبح بفضل كتاباته من الأسماء المعروفة في الأدب الكوردي المعاصر.

قد تكون المراجعة اللغوية عملية مملة و مرهقة ، لكني ما أن قرأت قسما يغطي أقل من صفحة واحدة حتى و جدت نفسي أمام نص ممتاز بمعنى الكلمة و أن  بامكاني أن أقرأه مرات ، كما تقتضي المراجعة،  دون أن أشعر بملل او ضيق و إنما على العكس تماما شعرت بمتعة كاملة .

يبدأ الكاتب بضمير المتكلم متحدثا عن علاقة طفل بطائرة ورقية ، و لكنه مسترسلا في ذلك لا يخجل من الاعتراف بولعه بالنساء رغم صغر سنه، ثم يربط بين هذين الولعين الذين امتلكا قلبه : النساء و الطائرات الورقية ، بل انه يجد بينهما تشابها قائما و إلا فإن عليه أن يحور طائرته الورقية لتبدو و ظلها على الأرض مثل أجساد النساء .

هيمنة " القضية "

أول انطباع ترسخ لدي هو أن الكاتب ، و هو كاتب كوردي ، لم يكن خاضعا لهيمنة قضية شعبه بالمعنى المباشر للكلمة . فكما في الكثير من أشكال الإبداع التي مارسها أبناء شعوب مظلومة ، كالفلسطينيين مثلا ، فإن هاجس الواجب قد اسقط الكثير من الأعمال الإبداعية في المباشرة و الإفتعال او التسييس . إن نصا إبداعيا تلقائيا ، حقيقيا و صادقا بوسعه أن يقدم خدمة لقضية شعبٍ ما أكثر بكثير من نص مسييس أو حتى نص يسعى الى تصوير حياة مناضلين في سبيل القضية . ما فعله كاروان انه عرفنا  بثقافة شعبه بأن قدم لنا دون افتعال مقطعا دافئا مليئا بالحياة يمثل لقطات حية لحياة يومية يمارسها عامة الناس  ، بهذا ، كما أرى ، قدم خدمة لشعبه دون أن يضع ذلك على جدول أعماله كهاجس مهيمن ، قدم لنا ببساطة أدبا حقيقيا يود أن يقول اننا نعيش كما يعيش الآخرون و كما يعيش الناس الطبيعيون في كل مكان ، فلنا احلامنا كأطفال و كراشدين و نتمتع بالطائرات الورقية و ربما نتمتع برفقة النساء حتى قبل أن نكون مؤهلين تماما لذلك ،  نحن لا نعرف فقط ان نقاتل و أن نموت في سبيل القضية كما تحاول ان تصورنا الثقافة وحيدة الجانب بل نعرف ايضا كيف نعيش و نتمتع بالحياة . يكفي ان ننظر الى وصف الكاتب من خلال عيني و ذهن طفل يحكي لنا تغزله بالفصول و رؤيته للغيوم و صورها و رائحة الارض عند أول المطر و جمال السماء بل و حتى جمال اللون الاسود اللامع لجاموسة منعة الخوف من لمسها .

لم يكتب كاروان موليا ظهرة للكتابة المباشرة المهتمة بالقضية فقط و لم يتناول حياة طبيعية لناس طبيعيين  فسحب بل قدم لنا ادبا رفيعا يمتاز بأسلوب طليعي من خلال تلقائية و انثيال للأفكار غير المرتبة و غير المنقحة تماما كما قرأنا في الأدب المعاصر الذي قدمه لنا تيار الوعي في الرواية الحديثة و ما يصار فيها  من تسجيل تقاطعات الافكار و تداخلها ، فكان نصه مزاوجة بين البساطة و التلقائية من جهة و بين حداثة و اصالة ريادية .

طفولة مستعادة

الجوهري في اسلوب كاروان هو المحافظة على التلقائية و الاستطرادات الواردة في ذهن طفل ، و قد جرب تيار الوعي ان يكون واقعيا تماما ، أكثر واقعية من الأدب الواقعي نفسه ( الذي سبق تيار الوعي ممثلا في جارلس ديكنز أو المتأخر أميل زولا الذي وصف بأنه "طبيعي " ) بأن عكس الأفكار كما هي بدون إعادة تنظيم  و بدون اضفاء منطق عليها ، فالأفكار تتقاطع مع بعضها البعض و تبدو احيانا في حالة من الفوضي ، فيها تتزاوج اللحظة القائمة مع خزين الذاكرة . الكتابة وفق هذا المعنى تشبه لوحات دالي التي تتمثل في عناصر من الذاكرة الصورية منفذة بعناية و تبدو طبيعية طالما أخذت منفردة و لكنها ذات علاقات غير منطقية أو غير مألوفة مع بعضها البعض كما في أحلامنا و كوابيسنا بل وحتى في أفكارنا اليومية التي نمارسها في كل لحظة .

أنا أجلس الآن امام الحاسوب و أكتب و لكنني في الوقت نفسه أفكر في أن أعد لنفسي شايا و أتذمر من الطقس الممطر و أفكر أن احلق ذقني و تشغلني مهمات عديدة تنتظرني ، كل ذلك يجري في وقت واحد  رغم إني مستمر في الكتابة . لماذا لا يعكس الأدب أو الفن هذا كله و  يلجأ بدلا من ذلك إلى" تنقية " الأفكار من " الشوائب " رغم أن الأفكار هي بطبيعتها  متداخلة و متنوعة ؟

كنا جميعا أطفالا و لكن القليل منا يستطيع أن يتذكر ذلك و الأصعب أن يتقمص طفولته و طريقة تفكيره أو أن يستعيد طرق التعبير التي كان يمارسها بتلقائية . العبقرية في بعض تجلياتها هي طفولة مستعادة . شارلي شابلن وجد أن المهمة الصعبة هي كيفية إنتاج عمل يرضي الصغار واعتبر إن موقف الصغار من عمله هو معيار مهم ، بيكاسو قال إنه كان بحاجة الى ممارسة الرسم لعشرات السنين لكي يستطيع بعدها أن يرسم مثل طفل ، قبلها كان فنانون متمرسون قد راقبوا أعمال هنري روسو الطفولية باندهاش لأنه رسم دون أن يفتعل طفولته ذلك لأنه لم يغادرها أصلا ، و أشاد تشيخوف بقدرة الطفل على التعبير و كيف إنه يذهب الى الهدف مباشرة دون لف ودوران ، و لكننا حين نتقدم في  العمر نلف و ندور وربما نتحذلق لكي نصل إلى النقطة التي نريد التعبير عنها.

و لكن أليس الغموض جميلا ايضا ؟ إلا تبدوا الاشياء غير المكتشفة واعدة بشيء يفوق الاكتشاف ؟ و هل يفسد الفهم الحرفي جمال الغموض ؟

الفهم يفسد أحيانا جمال الغموض !

الغموض هو ليس نقيض الوضوح و انما هو انك تقف امام باب غير مفتوح بعد سُمح لك بأن تتجول في البيت و تلج كل غرفه و مسالكه دون باب واحده لم تفتح ، فتجد نفسك في حل من الواقع و الحقائق الملموسة ما يثير خيالك فترى خلف هذا الباب سلم يؤدي بك ربما الى عالم آخر لا يشبه ما رأيت و ما فكرت به ، و لكنك ما أن تفتح الباب حتى تبطل سحر الخيال فتجد نفسك امام عالم واقعي تماما و ان الباب قد ادى بك الى ما تراه كل يوم و لحظة فجردك من خيالك .

ربما سيجد القارئ العربي تعبيرات غير مألوفة في لغة الكاتب ، و في المراجعة آثرت أن ابقي على الكثير منها دون تغيير لانها كما أرى تمثل ثقافة شعب آخر فسيجد القارئ مثلا أن طفلا يصيح تعليقا على وفاة درويش " عظام الدنانير مزقت أمعاءه " مما أثار استياء رجل مسن فصار الى رمي الطفل بالحجارة شاتما إياه مكررا العبارة نفسها .. وجدت هذا التعبير غامضا و جميلا او ربما غير مألوف على الاقل .

يخطر ببالي إطراء ادوار سعيد لمقطوعة موسيقية فيقول عنها : ستبقى بشكل مشرف غير مفهومة ! هذا عنى لي :

أولا : ستبقى غير مفهومة بمعنى ستفهم في يوم من الايام حتما و لكنها حتى الآن ممتنعة ، إنها لا تعطي نفسها بسهولة بسبب من انها حتى اللحظة ارقى من مستوى معدل الفهم البشري و لكنها غير ممتنعة عن ذهن ثاقب مثل ذاك الذي لديه . ان فنا و ادبا يعطيان نفسيهما بسهولة ، يُستنفذان بسرعة و بنفس السهولة .

ثانيا ـ بمعنى أن الفهم هو تهويم الفهم و الشعور بالشيء بطريقة غامضة ربما لا تفسرها الكلمات .

و قد وجدت في هذه الصياغة مثلا صورة فيها غموض أو ابتعاد عن المألوف . كما سوف يرد في النص العديد من الصياغات و طرق الحوار و الوصف ما يشكل من وجهة نظري اضافة مهمة لطرق التعبير لدى ثقافات أخرى يلجأ المعرب أو المراجع الى تعديلها بما يتناسب مع المألوف المكرر في اللغة المترجَم اليها .

أليس ثمة بعض التناقض فيما ورد ؟

لا اجد ذلك  . الغموض هو ليس الصعوبة ، انهما شيئان مختلفان تماما فالصعوبة التي قصدتها هي تلك التي يسعى لها كتاب كهدف مقصود في كامل النص تغطي احيانا على عجز ابداعي ، اما الغموض فهو من ظواهر الحياة الطبيعية ، و هو عدا ذلك يثير خيالا خلاقا طالما لم تتوفر القدرة على تفسير علمي أو تبرير منطقي له .

ثمن الصعوبة اللغوية  ليست الثرثرة اللغوية و انما فكر وفلسفة و صور جديدة تبلغ حدا من العمق لا يجاريه المألوف من الكلام مما يستحق دفع الثمن صبرا و تأنيا ثم مكافأة ترتقي بالذات إلى مستوى لغوي و رؤيوي جديد حان اوانه و اوجبه نص او صورة استفزازية  تفوق المألوف تحفز و تشحذ القدرات الكامنة .

ذاكرة

القدرة التصويرية للكاتب ، قدرته على توظيف الأحلام مع استعادته للغة طفل تشي بذاكرة وقادة .

وظف الكاتب الصورة بشكل طاغ فقد شكلت الكثير من فقرات النص تتابعا للصور كما في حلمه حين كان تلميذا فرأى رؤوس الناس و قد تحولت إلى سبورات . و حين يسمع أن أبا عادل قد بُترت ساقه و دفنت و انه حين يموت سوف يدفن إلى جانبها يتملكه نوع لم يألفه من الخوف ، و هو ينظر مساء من النافذة الى " الكونكريت البنفسجي " لباحة المنزل كما يكتب " كنت اتخيل ان الساق التي دفنت قد تظهر خلف شيءٍ ما وتمشي في باحتنا .. تصعد من خلال الأدراج و تصل الى سطح المنزل .. ثم تهوي بنفسها من فوق سياج الدار، ثم تقوم و تخطو وسط الحديقة فيعلق بها طينها .. تسحق  في الليل ، شيئاً فشيئاً ، الضفادع التي تجد الفرصة فقط في خيالي المشوه الفوضوي "

و أخيرا هذا النص هو نص انساني مهمتة القاء الضوء على براءة الانسان في جوهره ، بكلمة أخرى في طفولته ، اللغة موظفة هنا لهذا الغرض ، الدفئ البشري المفتقد في المغرقات اللغوية من النصوص تم تجاوزه الى البساطة الممتنعة .

منير العبيدي

This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.

__________

2

بقلم - القاضي زهير كاظم عبود :

يؤسس القاص كاروان قصته على أحاسيس أنسانية يستلها من بين قصص الطفولة وحياة الفقراء  والمدن المتعبة ، يجعل من أحلام الأطفال المتواضعة ثيمة وقاعدة للقصة التي يبدأها بحكاية عن العلاقة الجميلة بين الطفل وبين الطائرة الورقية ، ذلك الحلم الطفولي المحلق في السماوات الملون في المخيلة المنتزع من صفحات دفاتر الرسم او الورق الملون ،  فيجعل العلاقة بين تلك الطائرة وبين الطفل علاقة متجذرة يكتبها بخط واضح وعريض عن العلاقة الروحية  التي أرساها ( الشهيد عادل سليم ) في مخيلته التي بدأ  تأثيرها من خلال ما ينسج عليها من  قصصه ومواقفه بعدها .

ندرك معه ان خيطه القصير الذي استله من درج ماكنة الخياطة  التي تشتغل عليها والدته ، يرتبط مع خيوط أخرى يشكل معها بالتعاقد خيطا يمكن للطائرة الورقية أن تتمدد فوق السماء بواسطته ، فتتحول تلك الأوصال الصغيرة إلى خيط واحد يمتد بين يد الطفل وجسم الطائرة المنزلق في الفضاء ، يصنعها خلسة ويقوم بطيرانها خلسة أخرى ، والأحساس بالفرح والرغبة الطفولية تكمن في تحقيق الامنيات المتزاحمة في عقل الطفل والتي  طالما تصطدم مع اوامر ونواهي وأحكام الاهل .

نلاحظ السر الجميل الذي يكشفه القاص كاروان في أهتمامه بالظل الذي يعتبره دوما أهم من تلك الطائرة ، فالظل موجود قريبا منه ، يتماوج ويطول ويقصر قريبا من وجوده ، اما الطائرة فقد استحالت إلى كائن هلامي يحلق في الفضاء لايربطه الا خيط واهن .

ندرك معه تلك الأحلام البسيطة والمتواضعة التي تجمع الأطفال لمشاهدة التلفاز في كازينو ﴿الخبازة فاطمة ، يدفعون نقودهم القليلة لتمنحهم تلك المتعة وهم يجلسون على الرصيف ، ويتبارون في حفظ أسماء الممثلين والافلام المصرية التي تعرضها الشاشة العجيبة التي تدهش الطفل فتوقفه عن الحركة والكلام ليستمتع بتلك اللحظات التي غالبا ما يقطعها الأهل وحلول الظلام .

ويعود القاص ليكشف عن تأثير ﴿عادل سليم تلك الشخصية التي يجمعها في صفة الخال والعم والأستاذ  ، يسيطر القاص على شخوص قصته فيوزع علينا ملاحظاته يشدنا مع الخالة﴿ كولبه هار ومحلة ﴿حمام اسكان ووالد الطفل ﴿عادل الذي يضع بعض التراب اسفل أحد اقفاص الطيور ليزرع فيه أصص من الورد ، وينقلنا معه إلى﴿ الحاج رمضان الريحاني مالك الدار التي يشغلها ﴿عائلة عادل ، ثم الى حفيده﴿ أمير الذي يحلم بشراء تلفزيون من ميراث جده بعد ان يتوفى .

بساطة القصة والأسلوب يدفعنا لمتابعة أحداثها ، غير أن ما شدني اكثر تلك المقدمة او الأسم الذي منحه القاص كاروان في الكتابة على يد ﴿عادل سليم الراحل نحو الشمس .

ونلمس تلك الأنتقالات التاريخية بين شخوص الرواية ومحاولة القاص من ان يستغل المكان والزمان ليؤسس تلك الحكاية ، ويوظف ثقافته التاريخية حيث تخرج من كلية الأداب قسم التاريخ بجامعة الموصل عام 1991 في صنع وصياغة  تلك الأحداث .

وليس جديدا على القاص كاروان الذي انجز سابقا قصصا ممتعة وبسيطة للأطفال ، وتكشف اللغة التي يعتمدها على البساطة في رسم الشخصيات والمحاور الأساسية للقصص ، وبذلك فأنه ينهج إلى توظيف الأحداث والشخصيات الشعبية في تلك القصص ، ينسج منها فكرته  وموضوعه الواضح ،  ملتزما بأسلوب الترابط المتين بين الشخصيات والأحداث ، مهتما بالمعاني التي يريد ايصالها للقاريء ،  ويتمكن بها من الولوج الى عالم القصة التي بدأ يأخذ بها مسارا خاصا يميزه عن غيره  من كتاب القصة .

وأذا كان كاروان يتميز بتلك الخصائص والأنجاز القصصي ، فتلمس تلك المقدرة في اللغة ، والقدرة على أختيار الجمل والالفاظ ، بالإضافة إلى نقل الصورة التي يريد ايصالها حتى يمكن ان يخلق الجو الذي يعيش القاريء داخله  فيقتنص منه تلك اللحظات .

وﻠ﴿عادل سليم تأثيرا لم يزل بعض منا نتذكره بحميمية ، مع أنه رحل عنا في العام﴿ 1978 ، بكل ما تحمله دلالات هذا العام من مآسي وظلم للناس في كل العراق ،  الا ان﴿ عادل سليم بقي نايتا في ضمير الناس وفي ازقة الفقراء وبيوتهم الرطبة .

ينتقل الينا بفكره الصافي وبضميره النقي يتباهى بأنه لم يزل يحلم بذلك الدرب الذي يحقق خبزا للفقراء وضوءا للشمس لاتحجبه الغربان .

سنقرأ كل حرف من حروف الكبير ﴿عادل سليم بين حروف القصة ، وسنلمسه في شكل شخوصها الطيبة والبسيطة ،  الشخصيات التي تتزاحم في حياة إنسانية يمكن أن تنعكس على مدن وقصبات ومحلات كثيرة في العراق .

لم يكن اختيار القاص كاروان عمر لأسم الكبير ﴿عادل سليم دون معنى ، فلطلما حلم به وبقي في ذاكرته ، لم يتسلل منها ، ولأن ﴿عادل سليم كان يحفر الكلمات بروحه المتعبة ، ويوزعها بين حيطان بيوت الفقراء ، ونذرا يضيء ايامنا المظلمة ، كتب  كاروان على يد ﴿عادل سليم .

تتضمن قصة كاروان عمر العديد من الأشارات التي تتعلق بتلك العلاقة الجدلية بين الإنسان والطبيعة ، فيذكر رائحة التراب ، رائحة الأزقة الضيقة ، الأنتقال للعيش في ﴿القلعة ، محلة ﴿سيداوة ، ﴿حمام اسكان ، ﴿خزان الماء العالي ،﴿ محلة الجمهوري   والعديد من تلك الأشارات للأمكنة التي بقيت عالقة في مخيلة القاص لم يستطع تجاوزها لما لها من تأثير نفسي آخاذ في روحه .

وظف كاروان الجمل البسيطة والمحاور الشعبية يستثمر بها قصته القصيرة ، مع ما تضمنته من أشارات ودلالات ، فأنها تدفعك للتمعن بها ومتابعتها .

ومنهج القصة القصيرة يعد من المناهج التي تقيد حركة شخوص الفعل ومقدرة القاص ، غير أن بروز تلك الأسماء التي تمكنت من الأبحار في مخيلة القراء ، وسعت لأمتاعهم بذلك النمط الثقافي بتقنيات عالية وبلغة منسابة ، بالإضافة إلى طرق في أيصال الفكرة حققت تجسيد لفكرة الكاتب في تحقيق الأمتاع لدى القاريء ، وتلك الغاية الأساسية التي يريدها القاص ، مع ان القاص كاروان يريد ان يشمل الأمتاع بالأشارة الخفية التي يريد إيصالها إلى قراءه .

هذه القصة واحدة من منجزات القاص كاروان ، اتمنى له التألق في هذا المجال ليسجل نفسه رقما جميلا من ارقام صاغة الحروف وصناع القصة .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

3   

بقلم ـ  شه مال عادل سليم

                          مشاهير الكورد  في نصوص روائية رائعة

(في لحظة جفاف الخيال.. تأملوا في الجدران العتيقة... حيث هناك تتفتح مخيلتكم عن صور مفاجئة )                                                                                                                                            (دافنشي )                                                                                                

         

ولد الكاتب والروائي المنفي كاروان عمر كاكه سوور  في عام 1964 في مدينة اربيل في كوردستان الجنوبية وترعرع في اجوائها الثقافية والسياسية والاجتماعية , اكمل دراسته الابتدائية والثانوية في اربيل , حصل على بكالوريوس في التاريخ من كلية الأداب ـ جامعة الموصل , عام 1991 , بعد انقطاع دام سنتين لرفضه وعدم مشاركته في دورات عسكرية صدامية قسرية التي كانت تقام للطلاب الجامعات في العطل الصيفية  .... و ابتداءً من عام 1992 والى الآن يعيش لاجئأ في الدانمارك ....

بدأ القاص نشر نتاجاته الادبية  بعد خروجه من كوردستان وصدرت له 6 مجاميع قصصية , وله مجاميع كبيرة اخرى تحت الطبع ومنها رواية كتبها مع ابنه ( دواروژ )  , كما كتب للاطفال ...حيث يسعى الكاتب كاكه سوور, الى تقديم التراث والشعر والادب بصيغة معاصرة ملائمة لقدرات الاطفال الكورد على الاستيعاب , مستخدماً التشويق واختيار المواضيع ذات المغزى المعرفي والاخلاقي وباسلوب ولغة مبسطين  ......

واختار مواضيع مترجمة للاطفال من الانكليزية والدانماركية لعمالقة الادب الاوروبي والاسكندنافي ومنها للكاتب الدانماركي الكبير(هانس كريستيان أندرسن )(1805 ـ 1875(.

كما  كتب كاكه سوور  قصائد موجزة للاطفال في اطار معرفي وفلسفي غاية في الدقة والعمق والجمال ... بحيث اصبح الشاعر, بفترة قياسية نجم ساطع في سماء عالم الطفولة  يطوف بكلماته والحانه الرصينة تلك السماء  المليئة بالخيال والاحلام والفضول .....

وبين كثرة نتاجات ك .ع  كاكه سوور في حقول عدة، اضافة الى كتاباته ونتاجاته الفكرية والفلسفية والادبية والنقدية القيمة وابحاثه التي تنشر  في الجرائد والمجلات والمواقع الالكترونية ...

برزت موهبته ببراعة، وذاعت شهرته في الادب الكوردي المعاصر عبر كتاباته القصصية الرائعة والتي  تتفنن بالمتعة والجمال والحكمة والفكاهة ........ فمخلوقاته ممتلئة بالحياة، بما فيها الجدران والشبابيك والابواب  والاعمدة والخيم والدكاكين وقبب الجوامع  التي سرت فيها الحياة ايضاً في مملكته الخرافية واحداثها الزاخرة بالصور واللوحات الحية التي تكشف عن خبرته الحياتية وتجربته في التشرد والحرمان والاغتراب حتى وسط اصدقائه واسرته الصغيرة .... فضلاً عما تمتعت به نتاجاته الابداعية من نفس شاعري، وتحليقات الخيال التي تشد اليها الصغار والكبار ...

عاش  ك. ع. كاكه  سوور  طفولة غير مستقرة تخللتها فترات عصيبة في تاريخ العراق وكان شاهدا على احداث سياسية واجتماعية كثيرة فيها  تركت في ذاكرته الطفولية اثارا لا يمكن محوها ابدا , مما انعكس لاحقا  في كتاباته وبالاخص في كتاب  (طفولتي كانت غزالأ ينطط فوق اقواس القزح ) .....وبالاضافة  الى عدم الاستقرر الشخصي العام الذي احاط بحياته كطفل فقد عاش الكاتب غريبا ومنفيا حتى في بلده  وبين احضان مدينته  ..

يحاول الكاتب ,  في مجموعته القصصية الرائعة ( طفولتي كانت غزالا ينطط فوق اقواس القزح )  ان يوصل ارهاصاته ورسالته ولوحاته الرائعة وصيحته الطفولية المبحوحة الى المتلقي ...هذه الصور واللوحات  التي نقشت في ذاكرته وهو في السابعه من عمره,لذالك لانخطأ اذا قلنا بان الكاتب والروائي ك . ع . كاكه سوور  دخل عالم الكتابة منذ ان كان طفلا حيث سجل  اجمل قصصة ورواياته في ذاكرته الطفولية والتي اصبحت ارشيفا غنيا ومصدرا لالهامه الابداعي  وهذه القصة  (اكتب على يد عادل سليم ) هي واحدة منها  ...

ان ابداع ك . ع. كاكه سوور ,  ليس في سرد القصص وانقاء الكلمات واختيار الزمان والمكان فقط وانما ابدع  باختيار الالوان وتصميم اللوحات الشعرية والقصصية في نتاجاته الادبية الثرة ايضا بشكل مثير قلّ نظيره في الادب الكوردي الحديث ..... و ان اجمل تقنية عند الكاتب هي تحليلاته العميقة وحياديتها العفوية الطفولية ليظهر للقارىء ما كان يحشر ويطمس في الطين وفي ثقوب الجدران وبين قضبان الحديد  بقصد او بدون قصد ...

ان احدى سمات نجاح ك . ع . كاكه سوور  في سرد القصص , هي امتلاكه لغة و ثقافة غنية تؤهله لرؤية  الواقع بكافة جوانبه المتشعبة . . ثم بنائه بشكل سحري يجعل السرد محملا بلوحات وصور مزخرفة لشخصيات وابطال روايته مما يعطي النص نبضا قويا بحيث يسحب القاريء الى اعماق الحلم والحقيقة في ان واحد ....

المرأة .. فضاء قائم في قصص ك . ع . كاكه سوور  , انها الحياة التي بدونها لن تستمر نبضات قصصه ورواياته ....

لنقرأ واحدة من تلك الصور الخالدة : ـ (انني مفتون بالشعر … ولايهمني ان كان الشعر طويلا او قصيرا , ملفوفا او سارحأ , أسودا أو أشقرأ أو اي لون اخر , لكن المهم أن يتحرك , وحركته مدهشه … هذه  الريح تحركها بغاية الروعة …. لدي حلم أخر , ولا اظن انه قد خطر ببال أي طفل أخر لا في محلتنا ولا في المحلات المقابلة .. أحب أن أصنع طائرتي الورقية على هيئة امرأة راقصة )…. لوحة   فلسفية جميلة , حركة الاشياء , انفعالات البشر , الزمان والمكان وانفلات رغبات الانسان المكبوته مرسومة بتفاصيلها الدقيقة في لوحات وصور ومعارض هذا الانسان  بحيث يستطيع القارىء ان يلمسها ويفتح نوافذ تفاصيلها و يدخل الى عالم الطفولة والفضول للبحث عن الاشخاص والاحداث  . . و يدخل في تفاصيل الايام التي لم نعشها  والتي يقتحمها بفضول الطفل ليحدث في اعماقنا ثورة الاكتشاف المذهل ......

    اين يكمن سر التالق ؟

ان  ما يميز ك . ع .كاكه سوور , عن اخرين هو انه  دائم البحث عن الجديد .... طارحاً  استفسارات فلسفية على سبيل المثال لا الحصر ..هل الانسان حر حقا ؟ ومتى بمقدور الانسان ان يكون انسانا ؟ ومتى وكيف يفقد الانسان انسانيته ؟  نعم فان الاسئلة عن الكينونة الانسانية تشغل مساحة كبيرة في خيال ك . ع .كاكه سوور,  منذ ايامه المبكرة , حيث  بدء برسم  الاحداث التي وقعت قبل 33 عاما في ذاكرته كطفل عبقري عاش في زمن غير زمنه .......

عزيزي القارىء ...

في هذا النص الذي بين يديك (اكتب على يد  عادل سليم ) يسلط  الكاتب الضوء على احد مشاهير الكورد الا وهو (عادل سليم ) , وعلى مجرى حياته  وعمله ومسكنه البسيط وزوجته  المتواضعة ( المناضلة والانسانة فتحية ملا محمد ملا مصطفى )وحتى الملابس والديكور و الأضواء والاكسسوارات  والصوت والصورة بحيث  يحس القاريء كانه يتأمل في لوحات تشكيلية قريبة من سيناريو الفيلم التسجيلي  عن مرحلة زمنية و عن خصائص وحكمة البطل الذي اعجب به الكاتب لبساطته وعظمته وشجاعته وعمله الدؤوب من اجل الفقراء والمحتاجين   ...

لقد  اعتمد  الكاتب في قصته فقط على الجانب الانساني والاجتماعي المرموق ﻠ(عادل سليم )كشخص له دور في بناء المجتمع المدني والانساني والتواّق الى الحرية والسلام  ومن هذا المنطلق سلط  ك . ع. كاكه سوور ,  الضوء عليه كاحد مشاهير الكورد البارزين ..بالاضافة الى  مشاركته الناس البسطاء في  محنهم كما  ولعب دورا كبيرا في حل مشاكلهم الاجتماعية وخاصة المشاكل التي كانت تواجه المرأة وتحرمها من حريتها ومساواتها وناضل نضالا شرسا  من اجل تحريرها  ........

يبحث ك . ع .كاكه  سوور,  عن بقايا ذكرياته بين جدران بيوت ومساجد وكنائس وحارات وشوارع  اربيل القديمة على سبيل المثال لا الحصر (شارع باتا , مقهى   مجكو    ,  جامع  خانقاه  , محلة سيداوة , وشيخ الله , حمام اسكان , تعجيل , حمامة السلام , محلة العرب , تيراوه , شورش , به سته بيازه , ومحلة حانقاه  ليستقر اخيرا في احضان القلعة القديمة  ) ,ليرسم  لنا تلك الوجوه الاربيلية الغائبة الحاضرة  التي مايزال لها الحضور و التي ينبعث منها الامل ....

تفاصيل قصة (اكتب على يد عادل سليم)  تدور في قلب مدينة اربيل وتحديدا في احدى حاراتها القديمة والتي تسمى بمحلة خانقا , اذا قام الكاتب بتجميع صور ولوحات مزخرفة عن المدينة وتفاصيلها , حيث يسرد لنا الكاتب تفاصيل حياة الناس وهمومهم ومشاكلهم الاجتماعية و التي منها اضطهاد المرأة وقتلها نفسيا والتعامل معها كجسد خالي من الاحساس …. نقرأ واحدة من تلك الصور﴿ رأيت عشرات الحمامات مثل فتيات عاشقات او كالمرأة  التي تتبع الرجل من غير اذن اهلها , قد قطعت رؤوسهن …تلطخت دماءهن بقذارة الاظافر المسودة لفتيان المحلة ……

كما تعمق الكاتب في احداث القصة في شخصية  (عادل سليم ) وسرد لنا تفصيلات عن حياة هذه الشخصية التي كانت رهنا للمحرومين الذين يحلمون برغيف خبز ياكلونه في ظل الحرية والكرامة، وللنضال من اجل تحويل هذا الحلم الى واقع ولهذا السبب اختار ان   يعيش وسطهم   ويعمل لسعادتهم  وحل مشاكلهم بعيداً عن الابراج العاجية العالية.......... لنقرأ صورة اخرى من صوره الرائعة   : - شيئأ فشيئأ بدأت أفهم من الحوار الدائر بين امي وتلك المرأة , ان (عادل سليم) ليس بطفل , بل هو رجل كبير … في الحققية اربكني اسمه …كلا , فذالك ذنب صديقي (عادل )… هو الذي جعلني اظن أن (عادل )هو اسم للأطفال فقط … وهذا الذي جعل الحيرة في قلبي … ودفعني لأرى هذا الرجل الذي يشبه الطفل … طوال الطريق , كنت أفكر فيه واستحضره امام ناظري … والعجيب اني لم اصدق انه رجل كالرجال الذين أراهم يوميا في الشوارع و الأزقات المتعرجة في المدينة …

حسنأ . هل نحن ذاهبون الى بيت( عادل سليم )…أم الى السوق ؟ أمي , وكانها تقرأ ما بخلدي , قالت لي : بيتهم في السوق .

رويدا رويدا يدخلنا  الكاتب  معه الى محلة  خانقاه  وهي حي شعبي وبسيط جدا   يسكنه خليط من العوائل الاربيلية القديمة في بيوت متلاصقة مع بعضها داخل ازقة ضيقة مغلقة نهاياتها … كانها عربات لقطار قديم وضع في متحف المدينة ... وهو في طريق باتجاه  السوق الكبير( القيصري ) ...بيوت الحي مصنوعة من الطابوق والطين الاحمر المخلوط بالتبن الاصفر اللماع كانها  الرمز الذي نراه في لوحات مايكل انجيلو  ... ابوابها كبيرة  خشبية مطعمة باقراص حديدية سوداء وممتزجة بالحروف الكبيرة ومتشققة في جوانبها ووسطها كانها درع اخترقته السيوف، والتي كان المرء يسمع قرقعتها مع فتحها او اغلاقها  ,اما  شبابيكها.. فانها مزخرفة بالوان وخطوط دائرية و التي تحمل في طياتها دفء الذاكرة السحرية الممتزجة بالوان قوس قزح  والذي اصبح مرتعا لاحلام ومنفذا لخيال ك . ع . كاكه سوور,  الطفل الذي مايزال يحدق فيهما بفضول طفولي عسى ان  يجد فيها الرموز التي يحاول منذ 33 عاما ان يفكها ويحرر الاجساد التي حبست خلفها ........

وفي القسم الاخير يسرد الكاتب لقائه مع بطل قصته  (عادل سليم) في داره البسيط الذي شبهه في مكان اخر بمسكن المهاتما غاندي والذي كان يقع في زقاق ضيق نهايته مغلقة  ... وهناك يرسم لنا وببراعة  واحدة من اروع لوحاته القصصية حيث يقع في حديث مع نفسه ,وهو  امام عادل سليم الرمز , ليرى لأول مرة في حياته رجلا يصافح النساء ....,ويستقبل الضيوف  بكل حفاوة ليستمع الى قصصهم  والى مشاكلهم في بيته الذي كان مكانا لجمع القصص ....

يصف ك . ع . كاكه سوور  تواضع عادل سليم ويضعنا امام اللوحة الاخيرة التي امتزج فيها  الواقع بالخيال  لينهى بها رحلته  الرائعة , حيث انفرد  بيد عادل سليم  اليمنى التي مددها لمصافحته وهو في حالة الاندهاش والخوف لانه لم يرى في حياته شخصا كبيرا يمد يده اليه للمصافحة ...بل على العكس كان يضرب ويصفع من الكبار وحتى من الذين كانوا من اقرب الاقربين ....

انتهت القصة ......

والسؤال الذي يطرح نفسة بالحاح هو :- مالذي يريد ان يقول  لنا ك . ع . كاكه سوور في مثل هذه اللحظة التاريخية , ولماذا يستنجد ﺒ(عادل سليم) ليظهر من جديد بقامته وهيبته وكبريائه وتواضعه  وسط الفقراء  والمحتاجين في شيخ الله وخانقاه وسيداوه وتعجيل وشورش ومحلة العرب .... بعد غياب  دام  اكثر من 30 عاما ,  في لوحة  مليئة  بالعبر والدروس  والتي هي اكبر بكثير من حجم الحياة ...؟! 

شه مال عادل سليم

This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.

ـــــــــــــــــــــــــ

  * ( ك. ع . كاكه  سوور) مختصر لاسم الروائي الكوردي (كاروان عمر كاكه سوور)   ...

                                 أكتب على يد عادل سليم               

(( لم تدعني طائرتي الورقية أستمع الى القصة لأني بقيت مأسورا بالنظر اليها و هي تحلق في السماء القصية )) .

لا أعرف ما الذي يُميّز هذه المرأة عن كل هؤلاء الذين يمرون في هذا الشارع يومياً بل وفي كل حين الى الحد الذي يصرف إنتباهي عن طائرتي الورقية.. شغفي بطيران الطائرات الورقية يشبه شغفي بمراقبة النساء.. لربما يشعر العديد من اقراني الاطفال في محلتنا بهذا المذاق، غير أنهم لا يجرؤن على إخبار أحد بذلك.. يرتخى الخيط شيئاً فشيئاً .. الطائرة الورقية تطير و تطير كإمرأة فارعة الطول تستلقي بغنج على عشب طري ناعم. لطالما رأيت مثل هذا المنظر في الاحلام.. نعم، الطائرة الورقية تمتد برقة وتتمايل في السماء... و تنخفض .. يخال اليك بأنها مقطوعة، غير أنها فجأة، و قبل أن تصل الى الأرض، تشّد يديك فتسحبها اليك و ترخي، تسحبها إليك و ترخي ، حركة فيها نوع من الغرابة ... حالة مختلفة ... تقوم بفعل شيء و تقصد شيئاً آخر كحاقد يستغيضك عن بعد، صوتك لا يصل اليه، فتوميء اليها ملوحاً بيدك: " انا أعلم ما سأفعل بك" ، الحركات و إن تشابهت ، فان الغايات مختلفة تماماً. في غضون ذلك، تعلو الطائرة و تعلو، هنا يبرز إحساس آخر.. إحساس يخبرك بأنك ذو سلطة.. كنتُ قد لففت الخيط على علبة معدنية ، والعلبة هنا ليست كقطعة خشب أو بكرة، إذ يمكنك أن ترخي الخيط أو أن تلفه بسرعة كبيرة ، مذاقها أجمل.. و أحياناً تدق بأناملك أسفل العلبة كالطبل و تغني.. الى أن ترتفع طائرتك أكثر . هذا الإحساس يكبر كلما علت الطائرة لولا أن خيطي قصير... سرقته من درج ماكنة خياطة أمي.. أوصالٌ عقدتها .. و أنا أصنع الطائرة الورقية سراً و أطيّرها خلسة.. و ربما يكون ((طفل يطير طائرة ورقية خلسة)) عنواناً عجيباً لقصة، لكن ماذا عساي أن أفعل، هذا أنا.

لو علم أبي إني مزقت هذه الصفحات من دفتري، سيعلقني. لإني أستخدم لكل طائرة ورقية عدة أوراق، آخذ معظمها من دفتر الرسم، لأنه كبير الحجم ، أملس و انقى. أقطعها بالمقص و أخصص للرأس و الذيل و الأجنحة قطعا رفيعة.. الأطفال الآخرون يسمونهما ذيل و جناح، لكني أسميهما يدا و ساقا لتشبه المرأة تماماً .. أصنع لها شعرا، إنا مفتون بالشعر.. و لا يهمني إن كان الشعر طويلاٍ أو قصيراً، ملفوفاً أو سارحاً، أسوداً أو أشقراً أو أي لون آخر، لكن المهم أن يتحرك... و حركته مدهشة... هذه الريح تحركها بغاية الروعة... لديّ حلم لا أظنه خطر ببال طفل آخر لا في محلتنا ولا في المحلات المقابلة، أحب أن أصنع طائرتي الورقية على هيئة امرأة ترقص ، تشبه الراقصات اللواتي شاهدتهن في التلفاز و اطلت التحديق فيهن ، (تحية كاريوكا)، (سامية جمال)، (هالة فؤاد)، (سهير زكي)، و أخريات كثيرات. أحفظ علامات أجسادهن شبه العارية بالتفصيل أكثر مما أحفظ نشيد المدرسة. و أود أن أزين طائرتي لتصبح مثل أجسادهن شرائط براقة، تول أبيض شفاف، و خرز ذات فصوص، و أعطيها طقاقتين "طق طق طق" تضربهما ببعض في الهواء. عندها أدق العلبة كالطبل، و لكن دون و عي مني ، أغني لهن أغنية تليق بهن: (يا فرحتك ... تر..رن ... يا فرحتك .. تر..رن .. تر..رن .. يا فرحتك يا هناكي .. يا هناكي .. ترنن نننن ننن). مثل العديد من أطفال المحلة أحفظ هذه الأغنية المصرية و غيرها، دون أن أفهم تماماً معاني كلماتها. خمس راقصات ناعمات يرقصن معاً مع هذه الأغنية التي شاهدتها في فيلم لـ (نجيب الريحاني). مع أن هذا اللحن أو هذه الأغنية، كما تتجلى في كلماتها، تحكي عن الفرح، لكنها عندي تمطر الهموم أضعاف ما تمنح من السرور ،لأنني، هكذا، أتلذذ بأغاني الحزن ، لشيء واحد فقط، إنها تذكرني بالماضي.

إنه لأمرٌ عجيب.. كأني لم أعش ذلك الماضي، أو كأني مررت به و قد تغّشاني النعاس. حين استفقتُ أخبروني أنه كان لي ماضٍ عظيم... الغطاء الشفاف الذي يغطي الأجساد العارية للراقصات ،الأجساد التي تهزها الرقصات برقة ، يشبه الطائرة الورقية و سُحبَ الخريف .. الآن سواء كنت أفهم أو لا أفهم كلمة من هذه الأغنية لا يغير شيئاً في الأمر من إنني أريد أن أرددها. ما يهم هو أن تهزني طائرتي الورقية. هذا المنظر و هذا الطرب، مثل هذا اللحن يهب لي خيالاً عجيباً.. أشعر و كأني أنغمس في رمل ناعم، في البدء أصابعي و قدمي ثم كل جسدي .. أغور نحو العمق، لكنني في قمة الإستمتاع و اللذة ..

لكي أعود الى وضعي السابق ، لا أعلم هل يجب علّي أن أصعد أو أن أنزل. تطير روحي مع كل حركة من جسد هذه المرأة الراقصة في السماء .. ليس بمقدوري وسط كل هذا الإستمتاع والفرحة أن لا أشعر بخوف كبير .. أخشى عليها أكثر مما أخشى على نفسي .. لقد نسيت شيئاً كان يجدر بي أن أذكره قبل كل شيء .. ظل طائرتي الورقية على الأرض يبدو حقيقة كأمرأة .. فها هي متمددة عارية .. تظن احياناً أنها نائمة وأخرى يخيل اليك أنها قد استيقظت للتو. ليس من السهل أن تعرف، حين تغيّر حالتها من الإستلقاء على بطنها الى إلاستلقاءها على ظهرها أو حين تغير برقة يديها و ساقيها من وضعٍ الى آخر، هل هذا دلال أم أنه حلم .. غالباً ما يكون ظل طائرتي عندي أهم من الطائرة نفسها .. كلما رأيت أن الظل لا يشبه المرأة تماماً، أتلاعب بها .. وأغير شكلها .. ربما بأضافة شيء أو إنقاصه ، حتى يصل هذا الشكل حد الكمال عندي.. هنا تتعلم رغماً عنك أنه ليس شرطاً أن يشبه الظل أصله .. و الأهم من ذلك، إنك إن لم تغيّر من الصورة التي في السماء، فأن هيئة الظل لا تتغير على الأرض .. و طالما أن الظل و الشيء ليسا شيئاً واحداً ، فعليك أن تعلم ما هو التغيير الذي يجب أن تقوم به هناك. إذا أردت مثلاً أن تظهر ثديين للظل، فربما تحتاج لأن تضيف شيئين للطائرة لا يشبه أي منهما الثدي، لكن من الضروري أن تدرك كنه ذلك .. عليك أن تتعلم شيئاً فشيئاً، أي شيء على الأرض يرادف معنى شيء في السماء .. تريد الثدي؟ اذهب و ابحث عن شيءٍ آخر .. تجده تحت الحروف الأخرى .. ربما أكون فتى غير مجدٍ، لكني، بشهادة جميع أصدقائي، لا نظير لي في صنع الطائرات الورقية .. أستطيع أن أصلح عيوب أسوأها .. ما أن أنظر الى أية طائرة ورقية و هي على الأرض، حتى أعلم كم يمكنها أن ترتفع و كم مرة سوف تتقلب و الى أية جهة تميل و تسقط الى الأرض .. الطائرة الورقية على عكس الحمامة لا ينبغي لها أن تتقلب .. غير إني أعلم كيف أعالج الأمر .

من الأهمية بمكان أن تعرف في أي مكان من مساحة الورقة عليك أن تعمل الثقوب الأربعة التي تُدخل فيها الخيط و كم يجب أن تكون بعيدة عن بعضها البعض. إذا عرفت ذلك، عندها تطير طائرتك بصورة عمودية نحو السماء، و الاّ فانها تنحدر .. أو تطير بصورة أفقية .

عندما تحط الحمامة على سلك عمود الكهرباء أو هوائي التلفاز، فانها تجلب أكبر عار لصاحبها و يجب أن تقطع رأسها .. لا أحد يعلم من أين جاء هذا الأمر .. رأيت عشرات الحمامات مثل فتيات عاشقات او نساء يتبعن رجالا دون اذن من أهاليهم و قد عوقبن بأن قُطعت رؤوسهن .. تلطخت دماءهن بقذارة الأظافر المسودة لفتيان المحلة .. و الطائرة الورقية أيضاً يجب أن لا تعلق بالأسلاك و لا بهوائي التلفاز ..

بعض البيوت فقط فيها تلفاز .. في الليل يتفرج عليه الأطفال مقابل خمسة فلوس في كازينو (فاطمة الخبازة) .. يجلسون على الرصيف و يتوقفون عن الحركة .. محلتنا جديدة .. فيها ساحات واسعة جداً و ملائمة لطيران الطائرة الورقية .. خلف دارنا ثمة سهل يبدأ من عندنا و يمر بأطراف محلة (بلاشاوة) ومحلة (باداوة) و لا أحد يعلم أين ينتهي .. أمنيتي أن أصل بطائرتي الورقية الى هناك بما يجعلها تختفي عن ناظري .. أحس بها بفضل الخيط فحسب، حين يكون مفعماً بالقوة و يهزني باستمرار،  أعلم أنه غير مقطوع و أنه تحت سيطرتي .. حين ألف الخيط لاسترجعها اتخيل انها كشفت لي عشرات الأمور العجيبة و مئات الأسرار .. ذلك لأنه حين تطير الطائرة، فان الاوهام تخلق لك عشرات الأحاسيس العجيبة في قلبك، تلك التي لم يسبق أن رأيتها في نفسك .. أحياناً تكون صياداً و قد تعلقت سمكة كبيرة في صنارتك .. بسبب هذا الانجرار تنتفخ روحك كمنطاد ضخم .. و تمتليء باللذة .. خيوط طائرات أصدقائي طويلة جداً .. و أنا أطيرهن لهم لإكتشف العيوب التي فيهن .. أستمتع بهن أكثر مما أستمتع بطائرتي .. أولست بارعاً في صنع الطائرة الورقية ..؟ أنا أصنعها لهم بنفسي و أنا أعالج عيوبها .. و بهذه الطريقة أدخل الى بيوتهم .. و أدرك الكثير من أسرارهم .. الى الآن رأيت الكثير من الأزواج في أحضان بعضهم .. و سمعت الكلمات الرقيقة التي يقولونها لبعضهم في الفراش .. أنا أقول الكلام نفسه لطائرتي الورقية .. و عندما تحلق طائرتي أنسى ما حولي .. ذات مرة صدمتني دراجة هوائية لمعلم بدين .. أو بالأحرى أنا صدمتها .. إثناء كل هذه التخيلات العميقة والمركزة، كيف لي أن أميز بين الإتجاهات ؟ .. كيف لي أن أعرف ما يصدم ما و من يصدم من ؟.. جميع الأشياء في حركة فوضوية تتلاطم الف مرة مع بعضها في لحظة واحدة .. كل ما أعرفه هو إني وقعت على الأرض .. جرحت ركبتاي .. تقاطر الدم من أصابعي .. و فلتت علبة الخيوط من يدي، إلا أني ، لحسن الحظ ، تعلقت بإطار الدراجة و سحبتها و المعلم بكل ضخامة جسمه وقع على الارض.. و بعبارات الشتم و اللعن نهض .. كان ينفض ملابسه و يشتم أقاربي البعاد .. النساء أمام الأبواب فرطن في الضحك على المعلم الذي أخذ يشتمني أكثر .. كانت الطائرة على وشك أن تسقط، لحقتها، ولكن أناملي المدمية صبغت الخيط الابيض بالأحمر .. كم من مرة أوشكت سيارة أن تدهسني و تلصقني بهذا الأسفلت الصلب ..

في حلمي رأيت أن طائرتي تعلقت بنعش محمول فوق أكتاف العديد من الرجال، مروا بالنعش قاطعين هذا الطريق متبوعين بعويل النساء و الاطفال . لقد خفت كثيراً .. أحاط بجسدي و روحي فزعٌ يشبه ذلك النعش.. بعد وهلة، توقف الجميع مثلي عن الحركة و التزموا الصمت .. لا أحد يبكي و لا أحد ينوح و يندب، لا أحد يتحرك ، كانوا كأصنام قريش .. أصدقائي يخيفونني أكثر، حين يقولون: "أتعلم ما معنى هذا؟" .... بعد حين علمت أن الميت هو الذي كان مربوطا بخيطي و ليس الطائرة الورقية .. كلما كنت أرخي الخيط أكثر، كان الميت يقترب اليّ أكثر .. لم يكن بمقدوري أن أرمي علبة الخيوط وأهرب .. في السماء كان الرجل الميت مثل الطائرة يحرك اليدين و الساقين .. كان رجلاً ضخماً ملتحياً .. يفتح فاه الكبير و يسألني:

-         ألا تدلني على بيتٍ خالٍ ؟

بالرغم من إنه كان يتحدث اليّ بلطافة إلا اني كنت احس أن خلف كلماته أمرا آخرا يحمل الى نفسي الخوف فأحس بالرعب ..الناس يظنون انهم يأخذون النعش الى المقبرة لكنهم لا يعلمون إنه فارغ و أن الميت قد تعلّق بخيطي .. أردت أن أناديهم، لكن صوتي لم يخرج.. كانت الكلاب تأتي من السهل و تنبح عليه .. ينتظرون أن يصل الى الأرض فيمزقونه بمخالبهم وانيابهم إرباً .. استيقظت مفزوعا، نظرت داخل الغرفة المظلمة عندها أيقنت أكثر من أية مرة إن طائرتي الورقية حيوان عجيب يفهم الأسرار .. و أن بمقدورها أن ترى مستقبلي ..  تخبرني أشياء بالإيماءات .. تشغلني تماما عمن حولي بيسر وسهولة .. لكني حين أتلقى صفعة على خدي و تظلم الدنيا في عيني ، أدرك رغم الآلام أن ذلك الكف القوي يعود لوالدي الذي ازعجه استغراقي .. كان خدي و بقية اعضاء جسدي في حالة شبه ثابتة، ولايحركه غير ذلك الاهتزاز الذي كان يحرك طائرتي.. و قد جعلته هدفاً .. فلتت العلبة من يدي و لا أدري أين وقعت طائرتي .. ربما هي أيضاً هربت ولا تجرؤ أن تعود ابداً خشية منه.. تركتني وحيداً .. لكن كيف تمكنت هذه المرأة دون أن توجه لي صفعة أن تخرجني من خيالي العميق هذا ..؟! يا ترى هل هي تشبه الطائرة الورقية أيضاً ..؟! كلاّ، هي لا تشبه أحداً .. لم أرَ من قبل اية امرأة فيها ما يشبهها .. أنا لا أعلم لماذا أصبحت لغزاً بالنسبة لي .. دنتْ مني و نظرتُ إلى محياها عن قرب .. كنت اقرأ في عينيها عشرات القصص.. على أن ما لم يستوعبه عقلي و لم أكن أستطيع أن أتخيله هو إنها من بين كل تلك الأبواب سوف تدق بابنا و تدخل ..لا أدري كيف استطعت أن ألف الخيط على العلبة بعدها رجعت الى البيت، ما أن وصلت حتى كانت قد روت قصتها لأمي .. رأيت وجه أمي يعتريه الحزن .. هذه المرأة كانت كمصباح يشع حزنا بدل النور.. هذا ليس وصفاً من عندي أو لنقل شعراً من نسج خيالي، بل ما أوحته لي لوحة معلقة على جدار بيت أحد أصدقائي .. فتاة بقميص وردي و تنورة زرقاء فاتحة، أنا أقول زرقاء فاتحة، لكن قد يكون لها لون آخر، أو لا يكون لها لون البتة، أو كي نسهل الأمر لنقل أنه كلون النهر الذي عكرته حركة الأسماك قليلاً .. بقميصها و تنورتها جلست على سرير بالٍ مقابل أمها وقد أحنت رأسها .. أمها كانت قد شدت رأسها بقطعة قماش زرقاء داكنة و مدت يديها بصورة مروعة نحو إبنتها .... تفهم من ذلك بسرعة انها تقول: (كيف ..؟!) .. (لماذا ..؟!) .. (أخبريني)) .. (ماذا حدث ..؟! قولي لي) .. أبوها العجوز، الذي يشبه هيكلا عظميا ملفوفا بكيس يقف خلفها مصغيا ، محاولا بأذنه الضعيفة سماع ما حدث لابنته المحزونة .. لإنها، مثل تلك المرأة التي أتت الى منزلنا، لديها قصة عليها أن ترويها .. هل تظن أنها حين خرجت بهذه الملابس كانت سعيدة و تنتظر نبأً ساراً ثم عادت بعد ذلك بقلب كسير ؟ .. حين تكون مسروراً أو حزيناً، فقد لا يعني لك شيئا أي ملابس ارتديت و عن أي شيء تعبر ألوانها ، زمن ارتداء الملابس و زمن وصول السرور و الحزن ليسا سواء .. ربما من الأفضل لك أن تتلقى الخبر و أنت عارٍ، لتقرر عندها أي ملابس تلائم تعابير وجهك ، حزينا أم سعيدا كان.. من يقول أن العري بحد ذاته ليس لباساً سميكا قبيحا . .. أوليس العري هو الغطاء الذي يقول للآخرين نحن عراة ..؟! لولا هذا الغطاء، من كان يعلم ما هو العري ..؟! الجدار خلف اللوحة ذو لون أصفر فستقي .. عرفت بسهولة أن الرسام أراد أن يقسم هموم الفتاة على ما حولها، لذا نرى أن آهات صفراء علقت باردة على الجدران، هذا لا يعني إني طفل حاذق، الجميع يستطيعون أن يصلوا الى هذه الحقيقة بمجرد النظر الى اللوحة.. أنا متأكد من قدرتي على استحضار هذه اللوحة بعد سنوات في ذهني.. حتى الطاولة البنية التي وضع فوقها طبق صيني و في أسفلها أسندت زهرية صغيرة ، بامكاني استذكارها كما هي .. لكن كم هو مؤسف أنك لا تستطيع أن تسمع القصة بلسانها ..!!

تساؤلاتي كانت في ازدياد .. من هذه المرأة ..؟! من أين أتت ..؟! الا تظن انها سقطت من طائرتي الورقية ..؟! أو جلبتها طائرة أحد أصدقائي معها من هذا الفضاء الخفي مثل سر عجيب ..؟! لا أدري .. لا أدري .. كل ما أعلمه هو أن على أمي أن تذهب معها الى بيت (عادل سليم) و أن تصطحبني معها.. لابد أن أسمع هذه القصة .. من يقول أنها ليست الفتاة التي في اللوحة ..؟! نسبة الى طفل عمره بين السابعة و الثامنة مثلي، غريب أن يُعرف بيت باسم طفل، فقد علمت أن الأب هو مالك كل شيء .. أسأل نفسي: ماذا يكون هذا الطفل، لكي تذكره امرأة بهذا الإهتمام و تذهب لتطلب منه المساعدة. إذاً لماذا لا استطيع الجزم أنها سقطت من طائرتي الورقية أو من طائرة أحد أصدقائي ..؟! أستذكر الكثير من هذه القصص التي سمعتها من زوجة عمي .. في قصصها فقط يقوم الأطفال بأمور عظيمة .. فهم يرشدون الكبار إلى الطريق .. و بمقدورهم أن يضلوهم.. الى الآن لم أرَ أمرأة مثلها تستطيع أن تقص القصص بكل هذه الجاذبية .. هي نفسها قالت لي أن هناك إمرأة ما أن تروي قصصا، حتى تتحقق الأشياء و تظهر للمستمعين في الحال .. ما أن قالت : " هبت عاصفة " حتى هبت عاصفة حقيقية قوية رفعت كل شيء نحو السماء .. و ما إن قالت أمطرت، حتى تبلل كل مستمعيها في الغرفة و تضائل الموقد شيئاً فشيئاً ثم خمد .. و لو قالت انها امطرت بَرَدا، لكسرت حبات البَرَد الأوعية و الصحون و المرايا داخل الغرفة و نثرتها في وسطها .. أحياناً يضيء البرق السقف و الجدران .. كل ذلك يحدث حين لا يبدو عليهم الاكتراث ، عندئذٍ تتحول أجسادهم الى أذان متلهفة لسماع القصة برمتها.

من قال إني لم أرد سماع القصة برمتها .. نعم أردت .. شيئاً فشيئاً بدأت أفهم من الحوار الدائر بين امي وتلك المرأة، ان (عادل سليم) ليس بطفل، بل هو رجل كبير .. في الحقيقة اربكني إسمه .. كلاّ، فذلك ذنب صديقي (عادل) .. هو الذي جعلني أظن أن (عادل) هو اسم للأطفال فقط .. و هذا الذي جعل الحيرة في قلبي .. و دفعني لأرى هذا الرجل الذي يشبه الطفل .. طوال الطريق، كنت أفكر فيه واستحضره امام ناظري .. والعجيب إني لم اصدق انه رجل كالرجال الذين أراهم يومياً في شوارع و الأزقات المتعرجة في المدينة.

حسناُ. هل نحن ذاهبون الى بيت (عادل سليم) أم الى السوق ..؟! أمي، و كأنها تقرأ ما بخلدي، قالت لي:

-         بيتهم في السوق.

الى الآن لم ادرك سبب خوفي من تلك الجملة، التي نطقتها أمي بصورة اعتيادية.. لكن يا ترى هل كان ذلك خوفاً ..؟!

ذات مساء كنا انا وابنة جيراننا نحدق في مجموعة من الطيور في السماء .. كانت الطيور مرتفعة و مسرعة .. دون أن تصرف نظرها عن هذه المجموعة التي كانت تبدو كحروف شفافة على جدار المدرسة قالت لي:

-         أتعلم أننا سننتقل للعيش في القلعة ..؟!

طيلة عمري لم احب تلك الفتاة، بل قل انني لم أشأ ان ارى وجهها، ولكن لست ادري لماذا ابكاني كلامها.. ذرفت الدموع ، ظننت أنها طائر هوى من صف الطيور المار في السماء فوقنا .. سابقاً حينما كانت تهزني حادثة او كلام عاطفي او مأساوي، كنت في البدء أفكر بالحادثة ، كأنما كانت تحفر قلبي بطيئا الى ان يخرج منه ماءٌ يفور من عينيَ .. لكن هذه المرة إختلف الأمر تماماً .. تخيلتها في نافذة أحد بيوت القلعة قد جعلت يديها أرجوحة لذقنها، و على ذلك الإرتفاع تنظر بوهن و حزن الى السوق و المدينة كلها .. لولا الخوف من أبي لأحضرتها تلك الليلة مثل أرنب خجول و أنمتها في أحضاني حتى الصباح .. مثل الأرانب التي كنت أراهم في باحة بيت صديقي (عادل) .. و لصببت دموع الدنيا على شعرها و وجهها .. شعرت بالأسى على كثير ممن إنتقلوا من محلتنا .. لكن لم أبكِ على أحد منهم .. لو قالت مكاناً غير القلعة يا ترى، هل كان يؤثّر فيّ هكذا ..؟! القلعة تمثل لي سراً عظيماً .. خوفا ابديا .. لذلك أعقد الآمال أنني في يوم ما سوف أحصل على خيط طويل جداً لطائرتي الورقية لكي أوصلها الى هناك و ...

تندى علينا أول مطر خريف هذا العام، ولم يبللنا .. ارتفعت رائحة تراب ذلك الطريق الجاف الى أنوفنا .. هذه أزكى رائحة لديّ .. لأنها تذكرني ببعض أمور الماضي الغامضة.. ولكن المنظر الأجمل هو منظر الدجاج والديوك والديك الرومي الذين ينضمون بعضهم إلى بعض بصورة عجيبة باحثين عن ملاذ، ليحموا اجسادهم من البلل. بعضهم يذهب تحت عربة بيع الخضار و الفواكه، حيث تجد واحدة أو أثنتين منهما واقفة في كل زقاق من الأزقة الضيقة و المتعرجة .. البعض الآخر يلصق نفسه بالجدران .. كلاّ، أنا أقول أنهم لا يخشون المطر، لكنهم يعّبرون بهذه الطريقة عن مجرد دلال.. من ريشهم أيضاً تنبعث رائحة زكية .. رائحة حرارة الصيف الحارقة و رطوبة الخريف المعتدلة، التي يمزجهما هذا المطر شيئاً فشيئاً .. لون سُحب الخريف لو تأملت فيها بعين طفل مثلي، لوجدته يشبه لون ريش الحمامة أو الأغطية الشفافة التي تتغطى بها النساء الراقصات .. كلون رمادي هاديء .. نعم، إنها شفافة الى حد يجعلك تظن في الكثير من الأحيان أنها ليست سُحباً، بل هي حبر .. الحبر ليس أسماً مطابقاً تماماً لها .. لكن حين تبحث كثيراً في خيالك عن شيء ما، ليشبهه تماماً و لا تجده، تضطر عندها أن تقول إنه الحبر .. و لهذا بعيداً عن رغباتك تصف بلسان طفل هذا المطر الناعم و تقول: (السماء تتكلم مع نفسها) .. أو: (السماء تغني) .. و إذا علمت إن هذه الكلمات اصبحت بالية، تلجأ الى وصف آخر و تقول: (السماء تقّبل الأرض) .. أنك عندما تنظر الى سُحب الخريف و المطر يتقاطر على شعرك و كتفيك، فكأنك طفل بدأ للتو يمشي حتى و إن كان عمرك قد تجاوز القرن ..

كثير ما حلمت أن أصنع من سُحب الخريف طائرة ورقية و اوصلها الى أعالي السماء.. لا يمنحني أي فصل متعة جماله الى ان يمضي. في الصيف أستذكر الشتاء و في الشتاء أستذكر الصيف .. إذا عاد الشتاء هذه المرة سأفعل كذا و كذا .. كلاّ، أنا أحب الصيف .. ولست ادري أي فصل أحب أنا و أود أن أعيش فيه ..؟! أرتدي لباسا من نار .. وبلا هوادة ادحرج عجلة العربة، و أركض داخل نفق فصولي المظلم .. لا استكن .. قبل أن يراودني النوم يشغلني هذا الخيال..لا يستطيع هذا المطر السحري أن يغيّر شيئاً من الوجه الحزين لتلك المرأة، التي عرفتُ قبل لحظات تحت مطر الخريف هذا أن اسمها (ﮔﻭلبه هار) .. و علمت حين اطلقت على الدم خوون*، بانها من مدينة كويه*، لأني تعلمت هذه الكلمة من بيت جيراننا (عادل) .. عندما أرادت أمه أن تنشر الغسيل على الحبل، غضبت منا و قالت:

-         الآن توقفوا عن هذا كله.. خوون أو خين سواء .......؟!

فجأة نظرت الى زوجها و قطعت حديثها .. تابعت نظراتي نظراتها حتى التقتا عند ساق (أبي عادل) المبتور، كان يستند على عكازتين تحت جناحيه ويتأمل الأرانب .. أو خيل إلينا أنه يتأملها، لم يكن من السهل أن تعرف الى أية ناحية ينظر و بماذا يفكر .. كان قليل الكلام ، يفكر باستمرار.. بل لم يكن يتكلم .. أتخيل أنه طوال حياته لم يتفوه ببنت شفة حتى مع زوجته ، لكن (ليلى) الشقيقة الكبرى لعادل قالت ذات مساء لإحدى بنات جيراننا:

-         لا تقولي ذلك .. لو تعلمين كيف كان في السابق ..!! ما حدث له ليس بهيّن ..؟!

ثم قالت:

-         لا تفكري إنه نحيف و هزيل .. كان كرجلين .. لو حدث هذا لغيره في مكانه لمات .. أحد أصدقائه لم يتحمل اسبوعاً فتوفى.

(أم عادل) نشرت بيجامة زوجها قبل الملابس الأخرى على الحبل .. و هي من القماش (البوبلين) المقلم .. تبدو أكبر من حجمها لكثرة امتصاصها للماء .. احدى ساقيها مبتورة أيضاً.. بل لم يفصلوا لها الساق اصلاً ..عادت إلى ذهني مسألة الجسد و الغطاء مرة اخرى .. من يقلد الآخر ..؟! لكن ماذا يفهم طفل مثلي من ذلك..!! آلة تصويره التي كان في الماضي يلتقط بها الصور الشمسية بجانب حائط القلعة، و التي تستند على ثلاثة أرجل خشبية، كانت مغطاة بقماش أسود كجلد الجاموس .. أنا لم أرَ آلة تصويره، لكن بجانب حائط القلعة رأيت هناك عددا من الرجال يلتقطون الصور بمثلها، لو تراها ليلاً في الأزقة الضيقة و المتعرجة  في محلة (سيداوة)، لظننتها افراخ زرافة .. ليس من السهل أن تكون برجل واحدة و تستخدم آلة مثل هذه .. يقول لي (عادل):

-         نحن نسمي دمائنا خوون .. و أنتم سموا دمائكم خين .. إتفقنا ..؟!

أنا لا أجيب خوفاً من أمه، لكن أشعر إن الكلمات التي تنطقها تقطر منها الدماء .. تملكتني رغبة بالبكاء ، أود أن أقول له: "من الآن فصاعداً، سوف أسمي دمائنا و دمائكم و دماء جميع الأربيليين خوون .. أنت لا تعلم إنك، دون قصد منك، كيف بهذه العبارة البسيطة ملأت قلبي بالـ" خوون" .. أفكر في تلك المرة التي أخبرني فيها أنهم دفنوا ساق والده في قبر .. و حين يموت، يدفن هناك مع ساقه .. في تلك الليلة انتابني الخوف كثيراً .. لم أجرؤ على الذهاب حتى الى الرواق بمفردي .. و بهذا الخوف كنت أنظر من النافذة الى الباحة .. و كجميع الليالي السابقة، كان الكونكريت البنفسجي لباحتنا يشبه البركة التي كانت خلف منزلنا القديم، لكني خوفي منها كان هذه المرة أكثر .. كنت اتخيل ان الساق التي دفنت قد تظهر خلف شيءٍ ما وتمشي في باحتنا .. تصعد من خلال الأدراج و تصل الى سطح المنزل .. ثم تهوي بنفسها من فوق سياج الدار، ثم تقوم و تخطو وسط الحديقة فيعلق بها طينها .. تسحق  في الليل ، شيئاً فشيئاً ، الضفادع التي تجد الفرصة فقط في خيالي المشوه الفوضوي ، الضفادع التي تأتي من البُرك القريبة من منزلنا الى داخل الباحة و الحديقة .. فجأة تتسلل الساق من نافذة غرفتنا و تسقط على مدفأة من نوع علاء الدين .. تنقلب المدفأة فتضرم النار في الفراش ... يهرع الناس من كل فج عميق لاغاثتنا محاولين اطفاء النار .. لكن ما أن يرشوا الماء على النار حتى تتحول الى دماء   تفور نحو السماء ...

الآن حتى إذا بكت (خالة ﮔﻭلبه هار)، فلا نشعر بها لأن دموعها تختلط بقطرات المطر التي تسيل على خديها .. ربما يكون البكاء هو السبب الذي يجعلني لا فهم كلامها جيداً .. لم يتضح لي عن ماذا تتحدث .. ربما لا تريد أن تكشف عن لغز القصة، الى أن تقصها لـ (عادل سليم) .. عجيب! لحد الآن لا أريد أن أنادي هذا الرجل بالخال أو العم أو الأستاذ .. لازلت مصّراً على أنه طفل في مثل سني ....

حين إقتربنا من بيوت رعاة الجاموس، خفت وخطوت بحذر، مثل كل مرة، لأني كنت أعلم ان الجواميس تهاجم الناس بقرونها الحادة وتجأر بشكل رهيب .... فجأة هزت مسامعنا أصوات دفٍ و سلاسل ممزوجة بأصوات عشرات الرجال و عويل النساء و الأطفال ..

أرى نعشاً على أكتاف بعض الدراويش مغطى بقماشة خضراء .. عشرات آخرون من الدراويش يتبعون النعش بالصياح و الصلاة على النبي يضربون بالحراب و بالسيوف بطونهم و أفخاذهم و أذرعهم العارية .. يتطاير شعرهم الطويل في الهواء .. يخيل اليك أنهم اسراب غربان عصف بها خوف مفاجئ من الأرض نحو السماء .. يدقون الدفوف بقوة عظيمة يهزون أرواحنا و الأرض من تحت أقدامنا .. نحن نسير الآن فوق دف عظيم .. أجسادنا خفيفة .. لا نخشى أن نثقب الدف الكبير الرقيق تحتنا ..  فنحن في حالة لا تشبه الطيران و لا الحط .. الدراويش ينحنون أحياناً دون أن يغيّروا من سرعة مسيرهم،.. تظنهم سيضربون بدفوفهم على ركبهم أو يدقون عليها بالأحجار فيجعلونها آلاف الأوصال و ينهون هذه الجلبة، لكن فجأة و بصراخ هائج ينهضون رافعين الدفوف الى فوق رؤوسهم .. نجد أنفسنا في رقص بهيج شئنا أم أبينا.. صوت السلاسل في حافات الدفوف تدقها اصابع الدراويش بجنون ينّظم إيقاع خطواتنا و خطوات المارة الآخرين في هذا المحيط كصف الجنود .. تتحرك أيادينا بنفس الإتجاه .. آه، لقد أنسوني الجواميس ..!! جلودها السميكة السوداء أحب أن احدق فيها حين تلمع تحت أشعة الشمس.. يسيل لعابي .. ((قشدة الجاموس الدسمة)) .. مثل هذه العبارة كفيلة بأن تجعلك تشعر بالجوع حتى وإن كنت شبعاناًً .. تشغلك في صف المدرسة فتصرف إنتباهك عما يقوله المعلم .. غير ان أمي على خلاف نساء المحلة تشمأز من هذا الرجل فلا تشتري منه، يجلب هذا الرجل ما لديه على حمار أسود و ينادي بأحلى صوت: ((لبن .. قشدة .. لبن .. قشدة)) .. يترنم في أذني، و يقول: (هي ماغي .. ماغي .. ماغي )* .. القشدة شديدة البياض و الجلد أسود للغاية .. هذه الألوان تجنني .. الخوف يمنعني، و الاّ لكنت لمستهم كلهم واحداً واحداً، بالرؤية فقط أعرف كم هي ملساء جلودهم.. (ليلى) شقيقة (عادل)  الكبرى كانت ترتدي تنورة سوداء للمدرسة .. كلما نظرت اليها، تذكرت جلود هذه الجواميس .. ملابس أمها سوداء أيضاً، غير أنها لم تكن تشبه جلد الجاموس .. لا أدري كيف كنت أستطيع أن أميّز بينهما .. أفلا يقولون أن الأسود هو الأسود ..؟!

* يريد الكاتب أن يقول بهذا ان الكلمتين الكرديتين ( ماست ) و تعني (لبن) و( قيماغ ) و تعني قشدة تمتزجان لسرعة لفضهما من قبل بائع اللبن  فتكون الكلمة المسموعة ( هي ماغي ماغي هيقيماغي )  كلحن وميلوديا  سريع وممزوج بين كلمتين .

في باحة بيتهم كانت حركة الأرانب و هي تلعب تجذبني أكثر من أي شيء آخر .. ينطون هنا و هناك و يأكلون الفواكه و الخضار التالف التي كان (عادل) و شقيقاته يجلبونها من البراميل الموجودة أمام المحلات قرب (حمام اسكان) . كانت الأرانب كثيرة جدا، حتى هم انفسهم لم يكونوا يعرفون كم عددها.. مع إن عددها يجب أن يكون عندهم أهم من شعرها الناعم و آذانها القصيرة و عيونها الرمانية .. أمهم كانت بين الفينة و الأخرى تدخل الأرانب في قفص .. تأخذ بعضها الى السوق وتبيعهم كامرأة فقيرة كما في القصص المشهورة .. (أبو عادل) وضع بعض التراب أسفل أحد الأقفاص و زرع فيه زهرة .. أثار الموضوع إعجابي .. لم أستطيع فهم هذا الإحساس الذي اعترى قلبي .. لم أعرف هل كان فرحا أم حزنا .. في البدء ظننت أنه فعل هذا خوفاً عليها من الأرانب حتى لا تأكلها ، ثم توصلت الى الإعتقاد بأنه يريد أن يقول أن في هذا البيت كله، بل في الدنيا كلها، ليس لهم سوى هذه الزهرة التي في القفص.. كلاّ، ربما كان لديه مقاصد أخرى ..

الأرانب كانت لهم، لكن أنا الذي كنت أستمتع برؤيتها أكثر منهم .. (الحاج رمضان الريحاني) مالك الدار التي يسكنون فيها ، كان على الضد مما أشعر يضيق صدره بالأرانب.. يزورهم في فترات متقاربة و يعّبر لهم عن سخطه .. وبعد رحيله أخذ (عادل) يمسك بعصا فيجعلها مثل العكاز الذي كان ( الحاج رمضان ) يحمله في يده فيقول مقلدا كلامه بغضب شديد  كأنه شرر نار ينطلق من بين أسنانه المتسوسة.. مشيرا بالعصا الى فتحة الأوجار التي حفرتها الأرانب:

-         حسناً، هنا بدايتها .. لكن أتعرفون أين نهايتها ..؟! عميقة عميقة ..!! في قبر أبي .. إذا لم تنهار هذه ا لدار يوماً، فاعلموا إني ولد حرام.

ها نحن نعبر فوق المعبر الحجري في الساقية التي عند بيوت رعاة الجاموس .. يشوه الماء صورة الاحجار المغمورة فيه فتبدو كوجوه كساها الحزن و الحيرة .. الاحجار الصغير و الكبيرة  المستلقية حسب أهوائها على بطونها و ظهورها متتابعة حتى أعلى سطح الماء، نحن نضع الأقدام عليهن و نعبر .. و للعبور لاتهم قدرتك، بل المهم أن تعرف مقدارا من الحيل و الفنون .. فالعبور يشبه الرقص تماماً .. رقص مختلف كلياً عن الرقص الذي أجبرتنا على فعله رغماً عنا دفوفُ و سلاسلُ و صياح الدراويش قبل قليل .. لا ينبغي أن تسرح بخيالك و تفكر في الماضي أو المستقبل .. إن كنت حزيناً أو سعيداً، لابد ان تهز خصرك .. و تحرك يديك كمجذاف الزورق في هذا الإتجاه و ذاك .. ها هي أمي و (الخالة ﮔﻭلبه هار) ترقصان رغماً عنهما .. مع إني أعلم أنه ليس محببا أن أقول لأية إمرأة كويية خالة أو دادة ـ أهالي كوي ، النساء خاصة يحسبن أنفسهن شابات حتى في التسعين ، تبقى قلوبهن شابة دائما ـ لكن الحالة التي عليها ( الخالة كولبه هار ) قد حجبت كل سماتها الكويية و أظهرتها أربعة أضعاف عمرها

.. المطر غيّر لون الماء .. جعله كلون السُحب .. و لا يمكن أن لا تعده جميلاً، حتى و إن كنت على يقين بانه نفس القذارات اليومية .. هكذا هو اللون، لا يعرف الوساخة و النظافة .. في أي مكان و زمان أراد، خرج ووضع كل شيء تحت سيطرته .. ها هو ينسيك أن العبور يعني الوصول من مكان الى آخر .. لكن من قال لي أن أعّرّف العبور هكذا ..؟! لم لا يكون العبور هو المكان الذي يصلح بين مكانين متخاصمين ..؟! سرعان ما أتراجع عن هذا و أقول إن العبور هو الذي يفصل بين الأماكن .. و لكن لولا الإفتراق، لما علم أحد العبور ..

في السهل الذي بين منزلنا و المدرسة ما إن زل لساني فقلت لعادل:

-         على تراب الطريق .....

حتى ثار هو كالحليب على النار و قال لي:

-         ياله من كلام فارغ ..!! يجب أن تقول على الطريق، لأن الطريق هو التراب نفسه .. أتظن أنها من حديد و وضعوا عليها التراب ..؟!

-         ليس كلها تراب .. لو نحفر كثيراً، نصل الى الماء و لا يبقى التراب.

-         لكنها عندئذٍ يقال لها بئر و ليس طريق .. نحن نتحدث عن الطريق.

عبرنا أو لم نعبر، فهناك في الطرف المقابل نمر تحت مظلات دكاكين السوق .. هذا يعني اننا الآن قريبون من بيت ذلك الرجل الذي يشبه طفلاً .. لا يبرح مشهد النعش و الدراويش مخيلتي .. و إذا برح، فسأعيده بنفسي .. أتلذذ بإخافة نفسي .. مثل تلك الليالي التي كانت الساق تعود من المقبرة و تقفز من السور الى باحتنا .. الجأ الى مئات الحيل كي أجعلها تتوارى عن نظري، لكن بكل بساطة كنت أعيدها .. (الدم) كان يقطر منها.. ثم شيئاً فشيئاً كل شيء أصبح يشبه حزم الضوء الدقيقة التي تخلفها الشمس بعد الغروب، و تذوب مثل شعر البنات على وجه السماء الداكن .. كنت آمل في يوم من الأيام أن أصل بطائرتي الورقية الى هناك و أصبغها بذلك الشعاع .. طعم الخوف لا يشبه أي طعم آخر .. أعرف هذا و لا أستطيع أن أخبر أحداً بذلك .. لا، كم من مرة أردت أن أدير وجهي عن النعش و الدراويش، لكن لم استطع ....

عجوز معه ديك رومي فحل .. شّد رجليه بقطعة قماش .. ها هو أمامنا ينقل بارتجاف ساقه الدقيقة من احجار العبور ويترنم صاخباً .. ويرقص على اسلوبه و يشتم .. في تلك اللحظة قبل أن نصل الى أحجار العبور قال أنه يظن ان شيخاً كبيراً جدا قد توفى .. كان يشتم لأن فتى في الرابعة عشرة او الخامسة عشرة من عمره قال مقهقهاً بصورة غريبة، (لا أعرف لماذا أردت أن أقلده) :

-         عظام الدنانير مزقت أمعاءه

إنحنى الرجل العجوز ليلتقط حجراً كي يضربه، فهرب الفتى .. فرمى الحجر نحوه ، مع علمه أنه لا يمكن أن يطاله .. وجه مئات الشتائم الى والديه .. كل شتيمة كانت تبدأ بـ (عظام الدنانير ) .. (عظام الدنانير ..... ) .. ولشدة ضمه صاح الديك الرومي الذي تحت ابطه فشرع بضربه .. و وجه اليه عشرات الشتائم أيضاً .. قال لنا بان مئات الأشخاص قد تابوا على يد هذا الشيخ .. لا أدري ما هي التوبة و لا كيف هي ..؟! لكن كيف يستطيع الإنسان أن يتوب على يد أحد ما ..؟! يعقل أن يحط طير على يدي، يجوز أن أكتب أطول درس في كتاب (الف و باء) الصف الأول على ذراع صديقي (رزﮔﺎر)، لكن كيف يتوب رجل على يد رجل آخر ..؟! كيف يسعه المكان ..؟! عينا (الخالة ﮔﻭلبةهار) مثل عيني الديك الرومي كأنهما قطرتا زيت طافتا على الماء .. تقطع الطريق بحزن و أسى .. حذائها الصيفي، الذي كان بابوجاً إيرانياً .. يتقاطر منه الماء .. أحياناً تضع شفتها السفلية تحت أسنانها و تعض عليها .. لديها كلام تقوله لـ (عادل سليم) .. لكن من هو (عادل سليم) ..؟! بين الحين و الآخر كان العجوز يضع الديك و يرتاح قليلاً، لكن سرعان ما يأخذه و لا يريد أن يفترق عنه .. و باسلوبها الخاص سألته أمي:

-         إذا كنت تحب ذلك الشيخ الى هذا الحد، فلم لم تلحق بأولئك الدراويش ..؟!

-         الديك الرومي منعني.

-         هلا أخذته معك أيضاً.

نظر العجوز الى الديك الرومي و ضحك ، فتجلّت أكثر تجاعيد وجهه التي تشبه فتيلة السراج.. ظننته يريد أن يقول لأمي ضاحكاً كيف يمكن  أن يأخذ هذا المفضوح الى هناك .. مع كل صيحة يطيل عنقه متراً صارخا : عليقول قول قول .. عليقول قول قول .. تدّوي داخل القبر الخالي للشيخ و يغير سمات الجميع .. و ربما كان يقصد شيئا آخر لم أفهمه أنا ..

(الحاج رمضان الريحاني) مالك دار (عادل) يدجن عشرات الديوك الرومية في قطعة الأرض التي بجانب بيتهم وقد سيّجها بسور..  حفيده (أمير) أخبرنا بأن جده قد خصى جميع الفحول .. وان لم يكن مثل لنا بالإشارة ما عرفنا معنى المقصود بـ " خصي " .. خوفنا وتأملاتنا لم تمنعنا من أن نسأله لماذا فعل بهم ذلك .... يجيب باسلوبه الساخر لكي لا يفضوا الى الإناث فيضعفوا و لكي يقللوا الحركة و يناموا أغلب الأوقات.. سيحتاجون إلى  القليل من الأكل لكي يكون فيهم أكبر كمية لحم .. أنا لا أدري لماذا مع كل هذه المداراة ، اجد نفسي اشمأز من ديوك (الحاج رمضان الريحاني).

ضيعنا العجوز .. بل نحن ضعنا منه .. هكذا هي السوق .. تشوش الأمور .. كان قال لأمي أن ديكه لديه قصة عجيبة سيخبرنا بها .. وسط هذه الزحام و الصخب ليس من السهل أن تروي قصة حتى نهايتها .. من يظن أن (الخالة ﮔﻭلبه هار) تستطيع أن تروي قصتها لـ (عادل سليم) ...

(أمير) حفيد (الحاج رمضان الريحاني) كان يعرف جيداً لو أن جده طرد بيت (عادل) من داره، خوفاً من أن تهدمها الأرانب ، فإنه و عماته كانوا سيُحرمون من مشاهدة التلفاز و عليه أن يذهب شأنه شأن معظم أطفال المحلة الى كازينو (فاطمة الخبازة) و يتفرج هناك بخمسة فلوس .. عندها كان يأتي جده و يعود به الى المنزل بعكازه .. بعد أن يكسو شاشة التلفاز بالبصاق .. لكن (أمير) أخبرنا أكثر من مرة أنه ما إن يموت جده، حتى يشتروا تلفازاً في الحال .. الى الآن لم أرَ أحداً مهووساً مثله بالتلفاز .. يعرف أسماء جميع الممثليين السينمائيين .. يقلد معظمهم .. و بصوته يؤدي الأغاني بطريقة تثير الإعجاب .. كان يؤكد دائماً على أن (نجيب الريحاني) هو ابن عم جده .. كنّا نعلم بأن الممثل الذي يُعد مؤسس السينما المصرية كوردي و قد هاجر أبوه التاجر من (كوردستان) الى (مصر)، حتى إذا دققت النظر فيه تدرك أنه يشبه رجال (محلة سيداوة) فهو مثلهم، ترى السعادة تخيّم على وجهه في قمة الحزن و في قمة السعادة ترى الحزن يكسو محيّاه، رغم ذلك لم يكن من السهل أن نصّدق أنه إبن عم جدّه .. حتى و إن كان لديهما اللقب ذاته .. أين هذا من ذاك..!! ... يوماً بعد يوم يزداد أمير بغضاً لجده .. كان يقول فيما عدا (الريحاني) الذي يصلح كلقب لممثل قدير، و الاّ فان زرق الديك الرومي أفضل منه .. و كثيرا ما كان يلقي باللائمة على جارنا (العم جبار) .. يقول هو الذي أخبره ما إن يحل الظلام، حتى يعرض هذا التلفاز نساء عاريات .. في الشتاء كان جده يجلس عدة ليالٍ على سطح منزلهم ينظر الى هوائي التلفاز منتظرا أن يرى أولئك النسوة تحط عراة في الليل عليه كما تحط الطيور عليه في النهار ، بعدها يصاب بمرض فتاك و لكنه ينجو من الموت ، لكن (العم جبار) ما لبث أن أفهمه أن الأمر في الداخل .. لم نعلم هل هذه حقيقة أم أن (أمير) قد ألفّ ذلك من تلقاء نفسه، فذلك كان متوقعا منه على أية حال ، على أن ما كان جلياً لنا هو أن (الحاج رمضان الريحاني) يعادي هذا الجهاز للغاية .. و كان (أمير) يحلم باستمرار باللحظة التي تفارق فيها الروح جسده في فراشه البالي، أو أن تنزلق قدماه أمام باب الدار و يقع على ظهره على الأرض الصلبة، لكن خطواته النشطة لم تبّين أن حلم حفيده من الممكن أن يتحقق بسهولة ، فما كان يمسك بعكازه إلا من أجل أن يكون مخيفاً ليس الا. حين كان يذهب الى بيت (عادل) و يضرب به الباب و الجدران بقوة .. أو كان يرمي به بكل ما أوتي من قوة نحو الأرانب .. أنا سمعت مثل كثير من أطفال المحلة بأن (أمير) ينوي أن يخنق جده و هو نائم في إحدى الليالي أو أن يضع له سم الجرذان في الطعام .. هذا البغض الذي يكنه لجده، كان هو الذي يساعده على تقليده بأفضل ما يمكن .. و هذا كان بحد ذاته تمريناً، حين يصبح ممثلاً في المستقبل، أن يلعب دور عجوز عنيد عدواني ... إذ إنه كان يخطط دائماً كيف ينّمي نفسه من الآن لكي يرحل بعد عدة سنوات، حيث في البداية يذهب الى (مصر) كي ينال الشهرة، ثم من هناك يسلك الطريق الى (أميركا) و يعود بفضل أفلامه المتتالية إلى وطنه بعد تحقيق ما يطمح اليه من شهرة .. كان يركض على سياج باحة مدرسة (القاضي محمد) رافعا يديه الى السماء.. و كثيراً ما كان يطلب من الآخرين أن يوثقوهما له خلف ظهره ليذهب متعرجاً من هذه النهاية الى تلك .. سقط عدة مرات، فأصيبت ساقه، أو انكسر واحد أو أثنين من أضلاعه، و لطالما تخدشت جبهته، لكنه اعتاد الأمر في النهاية.. كان يتسلق سلالم خزان الماء العالي في (سيداوة) و يبدو بحجم حمامة .. يتكلم من هناك بصوته المدوّي كممثل قدير.. كانت حياته في خطر مستمر .. لم يكن أحد يعلم كيف سيتخلص منه .. و في احدى المرات ألقى بنفسه تحت عجلة سيارة مسرعة، أراد أن يمثل أنها صدمته ، أوشكت تلك (الدوج) أن تسويه مع الارض .. إصفّر وجه السائق .. كان شاباً نحيلاً .. يرتدي قميصاً أبيضاً و بنطالاً أسودا، نزل من سيارته وسأله:

-         لماذ فعلت ذلك يا إبن ....؟!

أجاب أحد أصدقائه:

-         هذه تمثيلية .. بعد سنوات سيذهب الى مصر و يصبح ممثلاً.

اشتد غضب السائق أكثر:

-         اليس من الأفضل أن يرسل أمه أولاً لعلها، قبل أن يصل هو، تجد له مكاناً جيداً في الملاهي هناك ..؟!

أجابه ابن خالته (مازن أحمد) و الذي كان أكثر شخص يشجعه ليكون ممثلاً :

-         أنت الآن تسخر ، لكن سترى في يوم من الايام كيف سيقّبّل الفتيات الجميلات مثل نجيب الريحاني، إبن عم جده،.. ستحدق بعينيك و تشاهده في التلفاز.

-         لتذهب الآن أمه لتكون مثل هند رستم بنت خالتها، و هدى سلطان، بنت خالها، و تكون في حضن رشدي أباظة في أحد الأفلام و يلاعبها عماد حمدي في فيلم آخر، ثم عندها .....

قال (مازن أحمد):

-         عندها ترفع خالتي رأسنا و رأس محلتنا أيضاً.

كان يجيد كل الأدوار .. الحزينة و الكوميدية .. كل ما كان يراه في الليل في بيت (عادل) يقوم بتقليده في اليوم التالي .. كان يبكي .. تسيل الدموع حقيقةً من عينيه .. كان يضحك .. يقهقه .. حتى يغمى عليه .. ثم فجأة يبدأ بالبكاء مرة أخرى ..

ما جعل (أم عادل) لا تمل منه بل أن تنظر اليه كواحد من أفراد عائلتها هو أنه كان الوحيد الذي يفهم كلام إبنتها المريضة .. اسمها (ريزان)، و لكونها تعاني من مرض مضن، كانت تُنادى في المحلة بـ (الفتاة المريضة) .. عمرها يقارب الرابعة أو الخامسة، لكنها تبدو كطفلة صغيرة .. كانوا يحضنونها باستمرار وهي تئن دائماً.. يوماً بعد يوم كانت عيناها تذبل أكثر فأكثر وجلد وجهها يتجعد .. و رغم فقرهم، كانوا يلبسونها ملابس جميلة و ملونة لكي يخفوا لونها الشاحب .. صنعوا لها ارجوحة من الحبل .. حيث يأرجحها والدها أغلب الأوقات.. كان يثبّت نفسه على عكازه و يدفعها بشكل مستمر .. يذهب اثناءها بخياله بعيدا فيشعر بالدوار و يقع على الأرض .. لم يكن بوسع كل هذه الاشياء ان تزيل آلام الفتاة المريضة، يأخذها (أمير) منهم، ويتجول بها .. كان يجعل من نفسه قطاً و كلباً و يقلد الحيوانات الأخرى .. يقلد اصواتها .. فيجعلها تضحك .. اعتادت عليه الى درجة انها تبكي حين يذهب .. كثيراً ما كانت تنام في أحضانه .. في اليوم الذي ماتت فيه (الفتاة المريضة)، بكى (أمير) بجد .. و حين ذات مساء انتقلت عائلتها من المحلة، علت وجهه ملامح لا يمكن أن توصف.. و لا أزال اتذكر ما قال:

-         أتعلمون كم فرخ أرنب لم تزل اعينهن مغمضة بقيت في الحفر التي سدّ فتحاتها جدي و أبي ..؟!

كممثل قدير .. وجدنا أنه كان يبكي على خسارته التلفاز و ليس على الأرانب ...

ليس من المستبعد أن نرى (أم عادل) في هذه السوق مع قفص الأرانب تعرضها للبيع .. منذ أن إنتقلوا لم أراهم .. قالوا أنهم أجّروا بيتاً آخر في (محلة سعدوناوة) .. لا أدري لماذا أشتاق جداً لرؤيتهم ..  ثمة في محلتنا مثل يقول: (عندما تشتاق لرؤية أحد، فانك تريد ان تتشاجر معه) .. كلاّ، لست أنوي مثل هذا الأمر، لكنني متأكد إنني سوف اخجل حين اتحدث معهم .. كما لو أنني إقترفت إثماً كبيراً بحقهم ..

رأيت سائق (الدوج) في حفل زفاف خالي .. لم يكن يشبه الرجل الغاضب في ذلك اليوم .. تبيّن أنه احد اقربائنا .. كان يروي الطُرف و الجميع يقهقه ضاحكاً .. منعني الخجل من أن أسأله : "ماذا حدث للصبي الذي رمى بنفسه تحت عجلة سيارتك و نجا من الموت..؟! " ربما كان سيسأل بدوره : " شق طريقه ..؟! أخذها بجد ..؟! وصل الى مصر ..؟!" لأنه لا يعلم ما جرى له .. لكن بين كل أولئك الكبار لا يوجد من يستمع الى طفل مثلي حتى و إن علموا أن معي قصة مثيرة أستطيع أن أرويها لهم حتى و لو بشكل متقطع ..

في حقيقة الأمر، أنا لم أرَ ما جرى له بأم عينَيَ .. حين وصلت، كان ستار المسرحية قد أسدل.. حتى الذين كانوا هناك، لم يكن في وسعهم إخبارنا بما شاهدوه بدقة .. هذه المرة، أحضر(مازن أحمد) ابن خالة أمير عجلة سيارة بحجم العجلة السابقة .. و أخذها الى المكان نفسه ثم سكب عليها النفط .. و أضرم فيها النار .. و بواسطة العصا الذي كان في يده، أشّرّ مكاناً قرب العجلة و سأل الصبية:

-         انه كان يقفز من هنا .. اليس كذلك ..؟!

-         اجل بالضبط من هنا .

-         و في كل مرة كان يصل الى الناحية الأخرى؟

-         أجل، لكن في المرة الأخيرة....

-         و أنا أقول هذا أيضاً .. لماذا تلك المرة فحسب .....؟!

-         لكن الرجل يقسم و يقول إنه لم يفعلها.. الأطفال يكذبون .. لقد جئت لأبعدهم و أطفيء النار.

-         ألا تقول بأنه هو الذي وضع قدمه امام قدمه و .......

ثم واصل (مازن أحمد):

-         اذن لا داعي لأن يقول للناس إنّ من يتبّع الشيطان، فان الله يدخله جهنم على الأرض و يجعله رماداً ..؟!

مع أن قطرات المطر توقفت، الاّ إن رائحة التراب لازال بمقدورها أن تقول لنا أن تغييراً قد حصل .. هذا التغيير الذي يبدو على ملامح السوق .. ربما يجعل معظم الناس يفكرون في ملابس الشتاء .. سقوف المحلات ينزل منها الماء الموحل .. ألاحظ الفواكه فوق العربات .. كل صاحب عربة يتغنى بما لديه.. إنفلق الرمان .. و كأنهم فتحوا أفواههم لكي يتكلموا .. هذه الحبات داكنة الحمرة عبارة عن مجموعة حروف كبيرة رطبة .. أستطيع القول أنهم يشبهونني .. تخرج أيدي النساء من تحت العباءة و بتلك الأنامل المتحركة يضعن الرمان واحدة تلو الاخرى في الزنبيل ..

غّير ما جرى لـ (أمير) ملامح محلتنا .. جلب وراءه أموراً عجيبة و غريبة .. جده (الحاج رمضان الريحاني) لم يعد كما كان عليه في  السابق .. سرعان ما إشترى تلفازاً .. يجلس أمامه كالصنم من الساعة السادسة حتى الواحدة بعد منتصف الليل .. يحبس انفاسه تماماً .. الاّ إذا قام ليّغير القنوات .. و " طق ، طق " يلمس الأزرار، و فيما عدا ذلك كما يقول (مازن أحمد) فانه يستند بظهره على الحائط متأملاً في التلفاز .. من (قناة كركوك) الى (قناة بغداد) و من هناك الى (الموصل) .. مرة كوردية و أخرى عربية .. و لا يفّوت فترة البرامج التركمانية .. لكن أفضل يوم لديه هو الجمعة، لإن البرامج تُبث من الصباح الى مابعد الظهيرة ....

فجأة تلتقي أمي بأثنتين من صاحباتها .. أنا أعرفهما .. فهما جيران بيت جدتي في (محلة الجمهوري) .. مثل كل مرة، و دون أن تلقيا بالاً للإزدحام، تقومان بممازحاتهما مع أمي .. تُهطلان عليها الكثير من الشتائم .. لكنهما فجأة تسكتان .. تحدقان في ملامح أمي .. ثم بغمزة عين تبعدان أمي عنا ... تريدان الحديث معها على إنفراد .. الآن أنا و (الخالة ﮔﻭلبه هار) نقف معاً .. تمسك بيدي لئلا أضيع .. يعتريني الخجل، لكني لن أكذب، أشعر أن  يدها خرطوم تسكب من خلاله كل حرارة جسدها فيّ .. حسناً، لم لا أقول إنها ينبوع و أنا جرة رطبة ..؟! نعم، أنا أشبه تماماً جرة صغيرة .. الآن امتلأتُ و ينسكب من فوقي .. أنظروا فيمَ أفكر .. ليسوا ملومين حين يعتبروني مجنوناً .. إذا أردت أن تجعل من حمامتين تتزاوجان ، عليك وضعهما عدة ساعات في عش.. طوال هذه الفترة، يقوم الذكر بنقر الأنثى، دون أن تبدي الأنثى أي استياء .. يضربها كثيراً، الى أن تخور كامل قواه و قواها، ثم يعشقها و يتزاوجان .. تعارف اليدين عكس تعارف الحمائم تماماً .. تبدءان بالسلم و تنتهيان بالقتال .. ها هي أمي تشير بيدها الى تلك الناحية و تقول للمرأتين:

-         نحن على عجلة من امرنا.. سنذهب.

هذه الإيماءة تدل على أننا على مقربة من بيت (عادل سليم) .. إقترب موعد رواية القصة .. ينتابني الخوف.. لا زالت يدي في يد (الخالة ﮔﻭلبه هار) طوال الطريق كان خيالي متشابكا مع الحمائم .. ربما قد نسيت هي أنها تمسك برسغي .. أشعر أن هذا الخوف هو الخوف ذاته في حلمي ليلة أمس .. لا أدري لماذا أنا من بين جميع طلاب الصف في مدرسة (إبن خلكان) التي في السوق الوحيد الذي لم يكتب الواجب البيتي .. يشدني المعلم من شعري و يرمي بي من فوق سطح المدرسة الى داخل الحشد .. يالغرابة هؤلاء الناس ..!! لماذا هم بدون رؤوس ..؟! حين تنظر اليهم، تجدهم أناسا عاديين، لكن بدلا من الرؤوس فإن لهم سبوراتٍ مكتوبا عليها أشياء غريبة مثل الرجمة .. أقرأها و لكن لا أفهم منها شيئاً .. يشتد خوفي .. أبحث عن أسماء - أمي، أبي، زوجة عمي، عمي، و جميع أقربائي - لكن لا أجدهم .. انا واثق من أنهم، هم الذين لا رأس و لا وجه و ملامح لهم، لا يعرفونني، لكني لا استسلم. ثم فجأة في بداية أحد الشوارع أعرف بأنني عارٍ .. ربما تطايرت ملابسي مع اليدين القويتين للمعلم، عندما رمى بيّ من فوق .. و الآن لا أعرف هل أنا سعيد لأن رؤوس أولئك الناس قد تحولت الى سبورات و بذا لا يستطيعون رؤيتي عرياناً أم لا ؟؟ .. لكن الخوف الذي كان كلهيب مستعر يشتد فيَ اكثر فأكثر.. هم يقطعون الطريق دون أن يصطدم أحد بالآخر، أما أنا فمن خوفي أزيح عني هذا و أصطدم بذاك .. أُخرج جسدي العاري من تحت أرجل هذا، و يركلني الآخر دون قصد بقوة .. خلف مجموعة براميل و علب الدهون و الدبس و قناني العسل المتراصفة، يمسك (أبو عادل) بآلة تصويره الشمسية و يخرج .. يركل الجميع فيرميهم وسط (شارع باتا) و يهز السوق برمته .. تغلق المحلات أبوابها الواحد تلو الآخر .. بعضهم يتركه مفتوحاً .. يتزاحم الناس .. الرجال يخطفون عباءات النساء و يغطون أنفسهم بها .. مئات الأطباق و القدور و قناني البيبسي و الكولا و اكواب الشرب و علب نقود الأطفال تقع تحت الأقدام  فتتعثر بها الناس  .. تتكسر السبورات .. و تصبح آلاف القطع و تتناثر في المكان .. تنسكب سلة الأسماك أمام المحل بين الناس و تنزلق  مئات الأرجل النحيفة و الممتلئة .. عشرات النساء و الأطفال يسقطون على بعضهم البعض .. الرائحة الكريهة لأمعاء الأسماك التي التصقت بتلك الأرض الساخنة، تجعل العديد من الناس يغمى عليهم.. أكياس الفحم المتراصفة تنهار كجبل جليدي وبغبار أسود تعتم السماء .. تنقلب عربة الطيور الملونة لـ (داده كه ى) بائعة الطيور .. الواحد تلو الآخر على هذا الشارع الساخن تحت الأقدام تتحطم وتلتصق بهذا القار المستعر .. هم يُذهلون انفسهم بلا سبب .. (أبو عادل)، لا يكترث لأحد سواي .. يلاحقني في أزقة القيصرية و الشوارع المحيطة بالقلعة و هو يحمل آلة تصويره الكبيرة على كتفه .. يصل الي و يضع آلة تصويره أمامي، و لأن أحدى أرجلها مكسورة، لا يستطيع تثبيتها على الرجلين الأخريين .. فانتهز الفرصة و أهرب من جديد .. و هو يتبعني و يصيح:

-         توقف ..!! الى أين تذهب ..؟! سآخذ لك بعض الصور و أنت عارٍ ثم أريها لهؤلاء الناس.

جفول و صياح عال لحنجرتي يوقظني .. رواقنا، الذي فرشناه، لازال مظلماً .. شعاعات القمر الباهتة و الدقيقة تنير الى الحد الذي يجعلني أعرف بواسطة إشارات برتقالية بأنني في ظلام حالك .. لكي تُريَ أحدا ما الظلامَ  يجب أن يكون معك شيءٌ من النور .. لا أدري لم أفكر في هذا .. ليالي الخريف ذاتها تشبه أضغاث أحلام مستغرقة .. و كأنك في سفر .. حتى الرواق يتلون بلون ملامح الخريف .. و يهب هذا اللون نفسه للفراش والوسائد، الى درجة تدرك فيها إنك تنام فقط لترى بدقة أكثر و عن قرب الأوراق المصفرة المتساقطة، السُحبَ الشفافة الرطبة، و الأعاصيرَ اللولبية .. يتداخل الخوف في الحلم مع الخوف الخارجي .. أتناول بيجامتي بسرعة .. أجر رباطها و أفلته عدة مرات .. يضرب بخاصرتي و يهزها .. يضرب بخاصرتي و يهزها .. وأنا اتكوم واكور نفسي على بعضها تحت اللحاف .. أخاف، لكن حين أستذكر بالتفصيل أحداث و مشاهد و صخب ذلك السوق المتزاحم متلذذاً بهذا الموقف الرهيب .. الصق راحتي يدي و أخفيهما بين فخذي الملتحمين .. حتى الآن لا تهدآن .. أصابعي المرعوبة مثل الأرانب تحت رباط البيجامة و لباسي الداخلي يطفرون و يصلون الى الجهة الأخرى .. هكذا أنا .. لدي إعتقاد عجيب .. أعتقد أن الخوف قبل وصوله الى أي عضو من جسدي يصل الى يديّ .. يدي اليسرى في يد (الخالةﮔﻭلبه هار) و اليمنى في جيب بنطالي.. هو من القماش (البوبلين) المقلّم، خاطته لي جارتنا .. نسير في زقاق ضيق، مغلق في نهايته .. أشعر بأننا ضللنا الطريق و يجب أن نرجع أدراجنا .. رائحة غريبة تدخل أنفي .. بعد لحظات أدركت أن هذه رائحة لفرشاة الرسامين .. الرائحة هي من داخل خيالي .. أحد زملائي، الذي كان بيتهم سابقاً في محلة (خانقاه)، يرسم بأجمل ما يكون مثل هذه البيوت التي خلّفها  اليهود المهاجرون، يلونها بالأقلام الملونة.. هذه الرائحة تجعلني أظن أن هذه البيوت حقيقية .. أنسى ما حولي .. أسير في هذه الأزقة الضيقة المغلقة .. فجأة تطرق أمي أحد الأبواب، و بعد هنيهه تفتح الباب إمرأة يدها منقوعة بالرغوة .. تتعانقان .. و في الوقت نفسه، يأتي رجل من الداخل و ينظر الينا باستغراب .. عندما أدقق في ملامحهم و ملابسهم، أشعر أنهم لا يعيشون في هذا البيت، بل إنهم مثلنا قصدوا هذا المكان لفترة وجيزة ثم يتركوه .. و سرعان ما وصلت الى الاعتقاد بأن هذا البيت هو مكان لجمع قصص و أحداث أهل هذه المدينة .. و لهذا يقع في وسط السوق .. يصل الرجل الينا، و لازلنا منشغلين بالترحيب غير قادرين على أن نخطو عتبة الباب ، يتعرف على أمي و تظهر إبتسامة على شفتيه .. أول مرة أرى رجلاً يصافح النساء .. على لسان أمي أسمع اسم (السيد عادل) .. يرتعش جسدي .. هنا علمت إنني طوال الطريق ظننت إننا ذاهبون الى بيت (عادل) صديقي، لكن لم أستطيع أن أكشف هذا الإحساس المفرط حتى مع نفسي .. يد الخالة كولبةهار اليمنى تفلت رسغي و تصل الى يد ذلك الرجل .. ينتابني الخوف أكثر .. أنتظر أن تخرج يدها من يده، لتمسك برسغي مرة أخرى، غير أنها ترفعها الى عينيها و تمسح بها دموعها .. و وسط كل هذا الخوف و الذهول، تمتد يد الرجل نحوي، أنه يريد مصافحتي . المصافحة ..؟! معي ..؟! ليس من السهل ذلك .. و سرعان ما قالت أمي:

-         إنه يمد يده يا ولد ..!!

أنا أرى فقط يداً واحدة، وخلف هذا الخجل و الخوف، ألاحظ جميع خطوط و علامات و الوان تلك اليد، لكن لا أشعر أن تلك اليد ملتصقة بالجسد .. و كأنها خرجت من فضاء خفي،.. أنا لا أعلم كم شهراً كان عمري حين مشيت أول مرة و كم كان حين تكلمت، مع أن جدتي تفتخر بأنها لا تذكر طفلاً قد تكلم مبكراً مثلي .. لكنني على يقين إنني أحتاج الكثير من الوقت حتى يزول هذا الخوف الكبير و أستطيع ان أصافح رجلاً، و إن كان هذا الرجل بشوشاً و هادئاً .. و تواصل أمي:

-         أنه يمد يده يا ولد ..!!

لا أستطيع أن أقول لها أن لا أحد يمد يده، بل هناك يد ممدودة .. و صوت يقول:

-         أتركيه .. ليفكر .. إذا أراد، نتصافح .. و إذا لم يُرِد، لا شيء سيحصل ليدي.

و ببشاشة تحاول المرأة إدخالنا الى البيت، لكن أمي تعود خطوة الى الوراء و تقول:

      - نحن لا نجلس .. لقد جئنا فقط لندل﴿ ﮔﻭلبه هار على بيتكم و لابد أن نرجع .. سأزوركم أنا بنفسي.

لاتزال اليد ممدودة .. لو أعلم أن هذه المصافحة هي تذكرة تستطيع أن تدخلني لأستمع الى قصة (الخالة ﮔﻭلبه هار)، كنت سأمد يدي دون تردد .. لكن لا، ها نحن ذا نعود أدراجنا .. و مع إننا لوحدنا أنا و أمي، لا أتجرأ أن أطلب منها أن تحكي لي القصة، لأنني أخشى أن تشوش كل خيالاتي .. لا أستبعد أن تقول أحد هذين( العادلين ) قد مات و هو موجود فقط في مخيلتي.

انتهى                                                                                                  



* ) كلمة خوين تعني (الدم) في الكوردية الفصحى، لكن في بعض اللهجات العامية يطلق عليها (خين)، باستثناء لهجة قضاء (كويه) التي تكون فيها (خوون). (المترجم).

* ) كويه هي قضاء تقع  شرقي مدينة اربيل بـ 70 كيلومتر (المترجم).

                           أكتب على يد عادل سليم               

                                       قصة                                                                            كاروان عمر كاكه سوور

  مهداة لذكرى الانسان والمناضل عادل سليم .....

    اصل القصة ...... لااحد يشبه عادل سليم

الترجمة \ شوان شفيق عبدالرحمن

الاشراف اللغوي \  الاستاذ منير العبيدي

المراجعة والتدقيق \ شه مال عادل سليم   

تم طبع الكتاب بدعم من صندوق عادل سليم الخيري .....

                               

                         

*  صندوق عادل سليم الخيري , تأسس كمبادرة خيرية من قبل المناضلة فتحية محمد مصطفى زوجة عادل سليم في عام 1992, لدعم الاعمال الخيرية في جميع انحاء العالم بشكل عام والعراق بشكل خاص ..... و يقوم الصندوق بحملات توزيع مساعدات مالية على عوائل الشهداء ممن افتدوا بارواحهم الطاهرة الشعب وقضاياه العادلة ...كما يساعد الاطفال والطلاب المحتاجين بتوزيع مخصصات عليهم لتامين استمرارهم في الدراسة .. وبالرغم من قلة المبالغ المخصصة الا ان تجارب السنين الماضية اثبتت، انها تمثّل حافزاً مشجعاً للطلاب وله تاثيرات ايجابية كبيرة على نفوس الاطفال وعلى وضعهم الدراسي والمعيشي .....  ويسعى الصندوق  ايضا  الى ايصال المساعدات والمعونات الى عوائل الضحايا في عموم العراق ........ ريع الكتاب مخصص لصندوق  عادل سليم الخيري .

1                                       المقدمة

بقلم -منير العبيدي :

" اكتب على يد عادل سليم " هو قسم من رواية تحت عنوان " طفولتي غزال ينط فوق قوس قزح " . كاتب الرواية هو الكاتب الكوردي كاروان عمر كاكه سوور  ، كتبت الرواية أصلا باللغة الكردية ، اما الجزء الذي بين يدي القارئ فقد ترجم إلى العربية و عنوانه يحمل اسم الراحل عادل سليم الشخصية اليسارية الكردية البارزة الذي يرد اسمه أيضا في متن النص في أكثر من مكان .

بالرغم من يقيني بأن اسلوب الكاتب التلقائي و البسيط يسم جميع أعماله ، الا ان هذه البساطة و التلقائية هنا بشكل خاص تتوافق مع تلقائية بطل قصته هذه ، فعادل سليم كان شخصا صادقا و مباشرا في علاقاته مع الآخرين و قد عرف في عدة مناسبات انه يقول الحقيقة بكل هدوء و ثقة و بلغة صافية تصدر من اعماق نفسه و قد التقيت الراحل عادل سليم في أكثر من مناسبة أحدها ضمن وفد إلى بلغاريا في سبعينات القرن الماضي .

و لد الكاتب كاروان عمر كاكه سوور في مدينة أربيل في عام 1964 و يعيش حاليا في الدنمارك، حاصل على بكالوريوس في الآداب جامعة الموصل قسم التاريخ . أصدر حتى الآن 6 مجاميع قصصية وله مجاميع قصصية أخرى تحت الطبع . يكتب و ينشر في الصحف و المجلات التي تصدر في إقليم كردستان في مواضيع أخرى متنوعة : فلسفية ، فكرية و نقدية و قد أصبح بفضل كتاباته من الأسماء المعروفة في الأدب الكوردي المعاصر.

قد تكون المراجعة اللغوية عملية مملة و مرهقة ، لكني ما أن قرأت قسما يغطي أقل من صفحة واحدة حتى و جدت نفسي أمام نص ممتاز بمعنى الكلمة و أن  بامكاني أن أقرأه مرات ، كما تقتضي المراجعة،  دون أن أشعر بملل او ضيق و إنما على العكس تماما شعرت بمتعة كاملة .

يبدأ الكاتب بضمير المتكلم متحدثا عن علاقة طفل بطائرة ورقية ، و لكنه مسترسلا في ذلك لا يخجل من الاعتراف بولعه بالنساء رغم صغر سنه، ثم يربط بين هذين الولعين الذين امتلكا قلبه : النساء و الطائرات الورقية ، بل انه يجد بينهما تشابها قائما و إلا فإن عليه أن يحور طائرته الورقية لتبدو و ظلها على الأرض مثل أجساد النساء .

هيمنة " القضية "

أول انطباع ترسخ لدي هو أن الكاتب ، و هو كاتب كوردي ، لم يكن خاضعا لهيمنة قضية شعبه بالمعنى المباشر للكلمة . فكما في الكثير من أشكال الإبداع التي مارسها أبناء شعوب مظلومة ، كالفلسطينيين مثلا ، فإن هاجس الواجب قد اسقط الكثير من الأعمال الإبداعية في المباشرة و الإفتعال او التسييس . إن نصا إبداعيا تلقائيا ، حقيقيا و صادقا بوسعه أن يقدم خدمة لقضية شعبٍ ما أكثر بكثير من نص مسييس أو حتى نص يسعى الى تصوير حياة مناضلين في سبيل القضية . ما فعله كاروان انه عرفنا  بثقافة شعبه بأن قدم لنا دون افتعال مقطعا دافئا مليئا بالحياة يمثل لقطات حية لحياة يومية يمارسها عامة الناس  ، بهذا ، كما أرى ، قدم خدمة لشعبه دون أن يضع ذلك على جدول أعماله كهاجس مهيمن ، قدم لنا ببساطة أدبا حقيقيا يود أن يقول اننا نعيش كما يعيش الآخرون و كما يعيش الناس الطبيعيون في كل مكان ، فلنا احلامنا كأطفال و كراشدين و نتمتع بالطائرات الورقية و ربما نتمتع برفقة النساء حتى قبل أن نكون مؤهلين تماما لذلك ،  نحن لا نعرف فقط ان نقاتل و أن نموت في سبيل القضية كما تحاول ان تصورنا الثقافة وحيدة الجانب بل نعرف ايضا كيف نعيش و نتمتع بالحياة . يكفي ان ننظر الى وصف الكاتب من خلال عيني و ذهن طفل يحكي لنا تغزله بالفصول و رؤيته للغيوم و صورها و رائحة الارض عند أول المطر و جمال السماء بل و حتى جمال اللون الاسود اللامع لجاموسة منعة الخوف من لمسها .

لم يكتب كاروان موليا ظهرة للكتابة المباشرة المهتمة بالقضية فقط و لم يتناول حياة طبيعية لناس طبيعيين  فسحب بل قدم لنا ادبا رفيعا يمتاز بأسلوب طليعي من خلال تلقائية و انثيال للأفكار غير المرتبة و غير المنقحة تماما كما قرأنا في الأدب المعاصر الذي قدمه لنا تيار الوعي في الرواية الحديثة و ما يصار فيها  من تسجيل تقاطعات الافكار و تداخلها ، فكان نصه مزاوجة بين البساطة و التلقائية من جهة و بين حداثة و اصالة ريادية .

طفولة مستعادة

الجوهري في اسلوب كاروان هو المحافظة على التلقائية و الاستطرادات الواردة في ذهن طفل ، و قد جرب تيار الوعي ان يكون واقعيا تماما ، أكثر واقعية من الأدب الواقعي نفسه ( الذي سبق تيار الوعي ممثلا في جارلس ديكنز أو المتأخر أميل زولا الذي وصف بأنه "طبيعي " ) بأن عكس الأفكار كما هي بدون إعادة تنظيم  و بدون اضفاء منطق عليها ، فالأفكار تتقاطع مع بعضها البعض و تبدو احيانا في حالة من الفوضي ، فيها تتزاوج اللحظة القائمة مع خزين الذاكرة . الكتابة وفق هذا المعنى تشبه لوحات دالي التي تتمثل في عناصر من الذاكرة الصورية منفذة بعناية و تبدو طبيعية طالما أخذت منفردة و لكنها ذات علاقات غير منطقية أو غير مألوفة مع بعضها البعض كما في أحلامنا و كوابيسنا بل وحتى في أفكارنا اليومية التي نمارسها في كل لحظة .

أنا أجلس الآن امام الحاسوب و أكتب و لكنني في الوقت نفسه أفكر في أن أعد لنفسي شايا و أتذمر من الطقس الممطر و أفكر أن احلق ذقني و تشغلني مهمات عديدة تنتظرني ، كل ذلك يجري في وقت واحد  رغم إني مستمر في الكتابة . لماذا لا يعكس الأدب أو الفن هذا كله و  يلجأ بدلا من ذلك إلى" تنقية " الأفكار من " الشوائب " رغم أن الأفكار هي بطبيعتها  متداخلة و متنوعة ؟

كنا جميعا أطفالا و لكن القليل منا يستطيع أن يتذكر ذلك و الأصعب أن يتقمص طفولته و طريقة تفكيره أو أن يستعيد طرق التعبير التي كان يمارسها بتلقائية . العبقرية في بعض تجلياتها هي طفولة مستعادة . شارلي شابلن وجد أن المهمة الصعبة هي كيفية إنتاج عمل يرضي الصغار واعتبر إن موقف الصغار من عمله هو معيار مهم ، بيكاسو قال إنه كان بحاجة الى ممارسة الرسم لعشرات السنين لكي يستطيع بعدها أن يرسم مثل طفل ، قبلها كان فنانون متمرسون قد راقبوا أعمال هنري روسو الطفولية باندهاش لأنه رسم دون أن يفتعل طفولته ذلك لأنه لم يغادرها أصلا ، و أشاد تشيخوف بقدرة الطفل على التعبير و كيف إنه يذهب الى الهدف مباشرة دون لف ودوران ، و لكننا حين نتقدم في  العمر نلف و ندور وربما نتحذلق لكي نصل إلى النقطة التي نريد التعبير عنها.

و لكن أليس الغموض جميلا ايضا ؟ إلا تبدوا الاشياء غير المكتشفة واعدة بشيء يفوق الاكتشاف ؟ و هل يفسد الفهم الحرفي جمال الغموض ؟

الفهم يفسد أحيانا جمال الغموض !

الغموض هو ليس نقيض الوضوح و انما هو انك تقف امام باب غير مفتوح بعد سُمح لك بأن تتجول في البيت و تلج كل غرفه و مسالكه دون باب واحده لم تفتح ، فتجد نفسك في حل من الواقع و الحقائق الملموسة ما يثير خيالك فترى خلف هذا الباب سلم يؤدي بك ربما الى عالم آخر لا يشبه ما رأيت و ما فكرت به ، و لكنك ما أن تفتح الباب حتى تبطل سحر الخيال فتجد نفسك امام عالم واقعي تماما و ان الباب قد ادى بك الى ما تراه كل يوم و لحظة فجردك من خيالك .

ربما سيجد القارئ العربي تعبيرات غير مألوفة في لغة الكاتب ، و في المراجعة آثرت أن ابقي على الكثير منها دون تغيير لانها كما أرى تمثل ثقافة شعب آخر فسيجد القارئ مثلا أن طفلا يصيح تعليقا على وفاة درويش " عظام الدنانير مزقت أمعاءه " مما أثار استياء رجل مسن فصار الى رمي الطفل بالحجارة شاتما إياه مكررا العبارة نفسها .. وجدت هذا التعبير غامضا و جميلا او ربما غير مألوف على الاقل .

يخطر ببالي إطراء ادوار سعيد لمقطوعة موسيقية فيقول عنها : ستبقى بشكل مشرف غير مفهومة ! هذا عنى لي :

أولا : ستبقى غير مفهومة بمعنى ستفهم في يوم من الايام حتما و لكنها حتى الآن ممتنعة ، إنها لا تعطي نفسها بسهولة بسبب من انها حتى اللحظة ارقى من مستوى معدل الفهم البشري و لكنها غير ممتنعة عن ذهن ثاقب مثل ذاك الذي لديه . ان فنا و ادبا يعطيان نفسيهما بسهولة ، يُستنفذان بسرعة و بنفس السهولة .

ثانيا ـ بمعنى أن الفهم هو تهويم الفهم و الشعور بالشيء بطريقة غامضة ربما لا تفسرها الكلمات .

و قد وجدت في هذه الصياغة مثلا صورة فيها غموض أو ابتعاد عن المألوف . كما سوف يرد في النص العديد من الصياغات و طرق الحوار و الوصف ما يشكل من وجهة نظري اضافة مهمة لطرق التعبير لدى ثقافات أخرى يلجأ المعرب أو المراجع الى تعديلها بما يتناسب مع المألوف المكرر في اللغة المترجَم اليها .

أليس ثمة بعض التناقض فيما ورد ؟

لا اجد ذلك  . الغموض هو ليس الصعوبة ، انهما شيئان مختلفان تماما فالصعوبة التي قصدتها هي تلك التي يسعى لها كتاب كهدف مقصود في كامل النص تغطي احيانا على عجز ابداعي ، اما الغموض فهو من ظواهر الحياة الطبيعية ، و هو عدا ذلك يثير خيالا خلاقا طالما لم تتوفر القدرة على تفسير علمي أو تبرير منطقي له .

ثمن الصعوبة اللغوية  ليست الثرثرة اللغوية و انما فكر وفلسفة و صور جديدة تبلغ حدا من العمق لا يجاريه المألوف من الكلام مما يستحق دفع الثمن صبرا و تأنيا ثم مكافأة ترتقي بالذات إلى مستوى لغوي و رؤيوي جديد حان اوانه و اوجبه نص او صورة استفزازية  تفوق المألوف تحفز و تشحذ القدرات الكامنة .

ذاكرة

القدرة التصويرية للكاتب ، قدرته على توظيف الأحلام مع استعادته للغة طفل تشي بذاكرة وقادة .

وظف الكاتب الصورة بشكل طاغ فقد شكلت الكثير من فقرات النص تتابعا للصور كما في حلمه حين كان تلميذا فرأى رؤوس الناس و قد تحولت إلى سبورات . و حين يسمع أن أبا عادل قد بُترت ساقه و دفنت و انه حين يموت سوف يدفن إلى جانبها يتملكه نوع لم يألفه من الخوف ، و هو ينظر مساء من النافذة الى " الكونكريت البنفسجي " لباحة المنزل كما يكتب " كنت اتخيل ان الساق التي دفنت قد تظهر خلف شيءٍ ما وتمشي في باحتنا .. تصعد من خلال الأدراج و تصل الى سطح المنزل .. ثم تهوي بنفسها من فوق سياج الدار، ثم تقوم و تخطو وسط الحديقة فيعلق بها طينها .. تسحق  في الليل ، شيئاً فشيئاً ، الضفادع التي تجد الفرصة فقط في خيالي المشوه الفوضوي "

و أخيرا هذا النص هو نص انساني مهمتة القاء الضوء على براءة الانسان في جوهره ، بكلمة أخرى في طفولته ، اللغة موظفة هنا لهذا الغرض ، الدفئ البشري المفتقد في المغرقات اللغوية من النصوص تم تجاوزه الى البساطة الممتنعة .

منير العبيدي

This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.

__________

2

بقلم - القاضي زهير كاظم عبود :

يؤسس القاص كاروان قصته على أحاسيس أنسانية يستلها من بين قصص الطفولة وحياة الفقراء  والمدن المتعبة ، يجعل من أحلام الأطفال المتواضعة ثيمة وقاعدة للقصة التي يبدأها بحكاية عن العلاقة الجميلة بين الطفل وبين الطائرة الورقية ، ذلك الحلم الطفولي المحلق في السماوات الملون في المخيلة المنتزع من صفحات دفاتر الرسم او الورق الملون ،  فيجعل العلاقة بين تلك الطائرة وبين الطفل علاقة متجذرة يكتبها بخط واضح وعريض عن العلاقة الروحية  التي أرساها ( الشهيد عادل سليم ) في مخيلته التي بدأ  تأثيرها من خلال ما ينسج عليها من  قصصه ومواقفه بعدها .

ندرك معه ان خيطه القصير الذي استله من درج ماكنة الخياطة  التي تشتغل عليها والدته ، يرتبط مع خيوط أخرى يشكل معها بالتعاقد خيطا يمكن للطائرة الورقية أن تتمدد فوق السماء بواسطته ، فتتحول تلك الأوصال الصغيرة إلى خيط واحد يمتد بين يد الطفل وجسم الطائرة المنزلق في الفضاء ، يصنعها خلسة ويقوم بطيرانها خلسة أخرى ، والأحساس بالفرح والرغبة الطفولية تكمن في تحقيق الامنيات المتزاحمة في عقل الطفل والتي  طالما تصطدم مع اوامر ونواهي وأحكام الاهل .

نلاحظ السر الجميل الذي يكشفه القاص كاروان في أهتمامه بالظل الذي يعتبره دوما أهم من تلك الطائرة ، فالظل موجود قريبا منه ، يتماوج ويطول ويقصر قريبا من وجوده ، اما الطائرة فقد استحالت إلى كائن هلامي يحلق في الفضاء لايربطه الا خيط واهن .

ندرك معه تلك الأحلام البسيطة والمتواضعة التي تجمع الأطفال لمشاهدة التلفاز في كازينو ﴿الخبازة فاطمة ، يدفعون نقودهم القليلة لتمنحهم تلك المتعة وهم يجلسون على الرصيف ، ويتبارون في حفظ أسماء الممثلين والافلام المصرية التي تعرضها الشاشة العجيبة التي تدهش الطفل فتوقفه عن الحركة والكلام ليستمتع بتلك اللحظات التي غالبا ما يقطعها الأهل وحلول الظلام .

ويعود القاص ليكشف عن تأثير ﴿عادل سليم تلك الشخصية التي يجمعها في صفة الخال والعم والأستاذ  ، يسيطر القاص على شخوص قصته فيوزع علينا ملاحظاته يشدنا مع الخالة﴿ كولبه هار ومحلة ﴿حمام اسكان ووالد الطفل ﴿عادل الذي يضع بعض التراب اسفل أحد اقفاص الطيور ليزرع فيه أصص من الورد ، وينقلنا معه إلى﴿ الحاج رمضان الريحاني مالك الدار التي يشغلها ﴿عائلة عادل ، ثم الى حفيده﴿ أمير الذي يحلم بشراء تلفزيون من ميراث جده بعد ان يتوفى .

بساطة القصة والأسلوب يدفعنا لمتابعة أحداثها ، غير أن ما شدني اكثر تلك المقدمة او الأسم الذي منحه القاص كاروان في الكتابة على يد ﴿عادل سليم الراحل نحو الشمس .

ونلمس تلك الأنتقالات التاريخية بين شخوص الرواية ومحاولة القاص من ان يستغل المكان والزمان ليؤسس تلك الحكاية ، ويوظف ثقافته التاريخية حيث تخرج من كلية الأداب قسم التاريخ بجامعة الموصل عام 1991 في صنع وصياغة  تلك الأحداث .

وليس جديدا على القاص كاروان الذي انجز سابقا قصصا ممتعة وبسيطة للأطفال ، وتكشف اللغة التي يعتمدها على البساطة في رسم الشخصيات والمحاور الأساسية للقصص ، وبذلك فأنه ينهج إلى توظيف الأحداث والشخصيات الشعبية في تلك القصص ، ينسج منها فكرته  وموضوعه الواضح ،  ملتزما بأسلوب الترابط المتين بين الشخصيات والأحداث ، مهتما بالمعاني التي يريد ايصالها للقاريء ،  ويتمكن بها من الولوج الى عالم القصة التي بدأ يأخذ بها مسارا خاصا يميزه عن غيره  من كتاب القصة .

وأذا كان كاروان يتميز بتلك الخصائص والأنجاز القصصي ، فتلمس تلك المقدرة في اللغة ، والقدرة على أختيار الجمل والالفاظ ، بالإضافة إلى نقل الصورة التي يريد ايصالها حتى يمكن ان يخلق الجو الذي يعيش القاريء داخله  فيقتنص منه تلك اللحظات .

وﻠ﴿عادل سليم تأثيرا لم يزل بعض منا نتذكره بحميمية ، مع أنه رحل عنا في العام﴿ 1978 ، بكل ما تحمله دلالات هذا العام من مآسي وظلم للناس في كل العراق ،  الا ان﴿ عادل سليم بقي نايتا في ضمير الناس وفي ازقة الفقراء وبيوتهم الرطبة .

ينتقل الينا بفكره الصافي وبضميره النقي يتباهى بأنه لم يزل يحلم بذلك الدرب الذي يحقق خبزا للفقراء وضوءا للشمس لاتحجبه الغربان .

سنقرأ كل حرف من حروف الكبير ﴿عادل سليم بين حروف القصة ، وسنلمسه في شكل شخوصها الطيبة والبسيطة ،  الشخصيات التي تتزاحم في حياة إنسانية يمكن أن تنعكس على مدن وقصبات ومحلات كثيرة في العراق .

لم يكن اختيار القاص كاروان عمر لأسم الكبير ﴿عادل سليم دون معنى ، فلطلما حلم به وبقي في ذاكرته ، لم يتسلل منها ، ولأن ﴿عادل سليم كان يحفر الكلمات بروحه المتعبة ، ويوزعها بين حيطان بيوت الفقراء ، ونذرا يضيء ايامنا المظلمة ، كتب  كاروان على يد ﴿عادل سليم .

تتضمن قصة كاروان عمر العديد من الأشارات التي تتعلق بتلك العلاقة الجدلية بين الإنسان والطبيعة ، فيذكر رائحة التراب ، رائحة الأزقة الضيقة ، الأنتقال للعيش في ﴿القلعة ، محلة ﴿سيداوة ، ﴿حمام اسكان ، ﴿خزان الماء العالي ،﴿ محلة الجمهوري   والعديد من تلك الأشارات للأمكنة التي بقيت عالقة في مخيلة القاص لم يستطع تجاوزها لما لها من تأثير نفسي آخاذ في روحه .

وظف كاروان الجمل البسيطة والمحاور الشعبية يستثمر بها قصته القصيرة ، مع ما تضمنته من أشارات ودلالات ، فأنها تدفعك للتمعن بها ومتابعتها .

ومنهج القصة القصيرة يعد من المناهج التي تقيد حركة شخوص الفعل ومقدرة القاص ، غير أن بروز تلك الأسماء التي تمكنت من الأبحار في مخيلة القراء ، وسعت لأمتاعهم بذلك النمط الثقافي بتقنيات عالية وبلغة منسابة ، بالإضافة إلى طرق في أيصال الفكرة حققت تجسيد لفكرة الكاتب في تحقيق الأمتاع لدى القاريء ، وتلك الغاية الأساسية التي يريدها القاص ، مع ان القاص كاروان يريد ان يشمل الأمتاع بالأشارة الخفية التي يريد إيصالها إلى قراءه .

هذه القصة واحدة من منجزات القاص كاروان ، اتمنى له التألق في هذا المجال ليسجل نفسه رقما جميلا من ارقام صاغة الحروف وصناع القصة .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

3   

بقلم ـ  شه مال عادل سليم

                          مشاهير الكورد  في نصوص روائية رائعة

(في لحظة جفاف الخيال.. تأملوا في الجدران العتيقة... حيث هناك تتفتح مخيلتكم عن صور مفاجئة )                                                                                                                                            (دافنشي )                                                                                                

         

ولد الكاتب والروائي المنفي كاروان عمر كاكه سوور  في عام 1964 في مدينة اربيل في كوردستان الجنوبية وترعرع في اجوائها الثقافية والسياسية والاجتماعية , اكمل دراسته الابتدائية والثانوية في اربيل , حصل على بكالوريوس في التاريخ من كلية الأداب ـ جامعة الموصل , عام 1991 , بعد انقطاع دام سنتين لرفضه وعدم مشاركته في دورات عسكرية صدامية قسرية التي كانت تقام للطلاب الجامعات في العطل الصيفية  .... و ابتداءً من عام 1992 والى الآن يعيش لاجئأ في الدانمارك ....

بدأ القاص نشر نتاجاته الادبية  بعد خروجه من كوردستان وصدرت له 6 مجاميع قصصية , وله مجاميع كبيرة اخرى تحت الطبع ومنها رواية كتبها مع ابنه ( دواروژ )  , كما كتب للاطفال ...حيث يسعى الكاتب كاكه سوور, الى تقديم التراث والشعر والادب بصيغة معاصرة ملائمة لقدرات الاطفال الكورد على الاستيعاب , مستخدماً التشويق واختيار المواضيع ذات المغزى المعرفي والاخلاقي وباسلوب ولغة مبسطين  ......

واختار مواضيع مترجمة للاطفال من الانكليزية والدانماركية لعمالقة الادب الاوروبي والاسكندنافي ومنها للكاتب الدانماركي الكبير(هانس كريستيان أندرسن )(1805 ـ 1875(.

كما  كتب كاكه سوور  قصائد موجزة للاطفال في اطار معرفي وفلسفي غاية في الدقة والعمق والجمال ... بحيث اصبح الشاعر, بفترة قياسية نجم ساطع في سماء عالم الطفولة  يطوف بكلماته والحانه الرصينة تلك السماء  المليئة بالخيال والاحلام والفضول .....

وبين كثرة نتاجات ك .ع  كاكه سوور في حقول عدة، اضافة الى كتاباته ونتاجاته الفكرية والفلسفية والادبية والنقدية القيمة وابحاثه التي تنشر  في الجرائد والمجلات والمواقع الالكترونية ...

برزت موهبته ببراعة، وذاعت شهرته في الادب الكوردي المعاصر عبر كتاباته القصصية الرائعة والتي  تتفنن بالمتعة والجمال والحكمة والفكاهة ........ فمخلوقاته ممتلئة بالحياة، بما فيها الجدران والشبابيك والابواب  والاعمدة والخيم والدكاكين وقبب الجوامع  التي سرت فيها الحياة ايضاً في مملكته الخرافية واحداثها الزاخرة بالصور واللوحات الحية التي تكشف عن خبرته الحياتية وتجربته في التشرد والحرمان والاغتراب حتى وسط اصدقائه واسرته الصغيرة .... فضلاً عما تمتعت به نتاجاته الابداعية من نفس شاعري، وتحليقات الخيال التي تشد اليها الصغار والكبار ...

عاش  ك. ع. كاكه  سوور  طفولة غير مستقرة تخللتها فترات عصيبة في تاريخ العراق وكان شاهدا على احداث سياسية واجتماعية كثيرة فيها  تركت في ذاكرته الطفولية اثارا لا يمكن محوها ابدا , مما انعكس لاحقا  في كتاباته وبالاخص في كتاب  (طفولتي كانت غزالأ ينطط فوق اقواس القزح ) .....وبالاضافة  الى عدم الاستقرر الشخصي العام الذي احاط بحياته كطفل فقد عاش الكاتب غريبا ومنفيا حتى في بلده  وبين احضان مدينته  ..

يحاول الكاتب ,  في مجموعته القصصية الرائعة ( طفولتي كانت غزالا ينطط فوق اقواس القزح )  ان يوصل ارهاصاته ورسالته ولوحاته الرائعة وصيحته الطفولية المبحوحة الى المتلقي ...هذه الصور واللوحات  التي نقشت في ذاكرته وهو في السابعه من عمره,لذالك لانخطأ اذا قلنا بان الكاتب والروائي ك . ع . كاكه سوور  دخل عالم الكتابة منذ ان كان طفلا حيث سجل  اجمل قصصة ورواياته في ذاكرته الطفولية والتي اصبحت ارشيفا غنيا ومصدرا لالهامه الابداعي  وهذه القصة  (اكتب على يد عادل سليم ) هي واحدة منها  ...

ان ابداع ك . ع. كاكه سوور ,  ليس في سرد القصص وانقاء الكلمات واختيار الزمان والمكان فقط وانما ابدع  باختيار الالوان وتصميم اللوحات الشعرية والقصصية في نتاجاته الادبية الثرة ايضا بشكل مثير قلّ نظيره في الادب الكوردي الحديث ..... و ان اجمل تقنية عند الكاتب هي تحليلاته العميقة وحياديتها العفوية الطفولية ليظهر للقارىء ما كان يحشر ويطمس في الطين وفي ثقوب الجدران وبين قضبان الحديد  بقصد او بدون قصد ...

ان احدى سمات نجاح ك . ع . كاكه سوور  في سرد القصص , هي امتلاكه لغة و ثقافة غنية تؤهله لرؤية  الواقع بكافة جوانبه المتشعبة . . ثم بنائه بشكل سحري يجعل السرد محملا بلوحات وصور مزخرفة لشخصيات وابطال روايته مما يعطي النص نبضا قويا بحيث يسحب القاريء الى اعماق الحلم والحقيقة في ان واحد ....

المرأة .. فضاء قائم في قصص ك . ع . كاكه سوور  , انها الحياة التي بدونها لن تستمر نبضات قصصه ورواياته ....

لنقرأ واحدة من تلك الصور الخالدة : ـ (انني مفتون بالشعر … ولايهمني ان كان الشعر طويلا او قصيرا , ملفوفا او سارحأ , أسودا أو أشقرأ أو اي لون اخر , لكن المهم أن يتحرك , وحركته مدهشه … هذه  الريح تحركها بغاية الروعة …. لدي حلم أخر , ولا اظن انه قد خطر ببال أي طفل أخر لا في محلتنا ولا في المحلات المقابلة .. أحب أن أصنع طائرتي الورقية على هيئة امرأة راقصة )…. لوحة   فلسفية جميلة , حركة الاشياء , انفعالات البشر , الزمان والمكان وانفلات رغبات الانسان المكبوته مرسومة بتفاصيلها الدقيقة في لوحات وصور ومعارض هذا الانسان  بحيث يستطيع القارىء ان يلمسها ويفتح نوافذ تفاصيلها و يدخل الى عالم الطفولة والفضول للبحث عن الاشخاص والاحداث  . . و يدخل في تفاصيل الايام التي لم نعشها  والتي يقتحمها بفضول الطفل ليحدث في اعماقنا ثورة الاكتشاف المذهل ......

    اين يكمن سر التالق ؟

ان  ما يميز ك . ع .كاكه سوور , عن اخرين هو انه  دائم البحث عن الجديد .... طارحاً  استفسارات فلسفية على سبيل المثال لا الحصر ..هل الانسان حر حقا ؟ ومتى بمقدور الانسان ان يكون انسانا ؟ ومتى وكيف يفقد الانسان انسانيته ؟  نعم فان الاسئلة عن الكينونة الانسانية تشغل مساحة كبيرة في خيال ك . ع .كاكه سوور,  منذ ايامه المبكرة , حيث  بدء برسم  الاحداث التي وقعت قبل 33 عاما في ذاكرته كطفل عبقري عاش في زمن غير زمنه .......

عزيزي القارىء ...

في هذا النص الذي بين يديك (اكتب على يد  عادل سليم ) يسلط  الكاتب الضوء على احد مشاهير الكورد الا وهو (عادل سليم ) , وعلى مجرى حياته  وعمله ومسكنه البسيط وزوجته  المتواضعة ( المناضلة والانسانة فتحية ملا محمد ملا مصطفى )وحتى الملابس والديكور و الأضواء والاكسسوارات  والصوت والصورة بحيث  يحس القاريء كانه يتأمل في لوحات تشكيلية قريبة من سيناريو الفيلم التسجيلي  عن مرحلة زمنية و عن خصائص وحكمة البطل الذي اعجب به الكاتب لبساطته وعظمته وشجاعته وعمله الدؤوب من اجل الفقراء والمحتاجين   ...

لقد  اعتمد  الكاتب في قصته فقط على الجانب الانساني والاجتماعي المرموق ﻠ(عادل سليم )كشخص له دور في بناء المجتمع المدني والانساني والتواّق الى الحرية والسلام  ومن هذا المنطلق سلط  ك . ع. كاكه سوور ,  الضوء عليه كاحد مشاهير الكورد البارزين ..بالاضافة الى  مشاركته الناس البسطاء في  محنهم كما  ولعب دورا كبيرا في حل مشاكلهم الاجتماعية وخاصة المشاكل التي كانت تواجه المرأة وتحرمها من حريتها ومساواتها وناضل نضالا شرسا  من اجل تحريرها  ........

يبحث ك . ع .كاكه  سوور,  عن بقايا ذكرياته بين جدران بيوت ومساجد وكنائس وحارات وشوارع  اربيل القديمة على سبيل المثال لا الحصر (شارع باتا , مقهى   مجكو    ,  جامع  خانقاه  , محلة سيداوة , وشيخ الله , حمام اسكان , تعجيل , حمامة السلام , محلة العرب , تيراوه , شورش , به سته بيازه , ومحلة حانقاه  ليستقر اخيرا في احضان القلعة القديمة  ) ,ليرسم  لنا تلك الوجوه الاربيلية الغائبة الحاضرة  التي مايزال لها الحضور و التي ينبعث منها الامل ....

تفاصيل قصة (اكتب على يد عادل سليم)  تدور في قلب مدينة اربيل وتحديدا في احدى حاراتها القديمة والتي تسمى بمحلة خانقا , اذا قام الكاتب بتجميع صور ولوحات مزخرفة عن المدينة وتفاصيلها , حيث يسرد لنا الكاتب تفاصيل حياة الناس وهمومهم ومشاكلهم الاجتماعية و التي منها اضطهاد المرأة وقتلها نفسيا والتعامل معها كجسد خالي من الاحساس …. نقرأ واحدة من تلك الصور﴿ رأيت عشرات الحمامات مثل فتيات عاشقات او كالمرأة  التي تتبع الرجل من غير اذن اهلها , قد قطعت رؤوسهن …تلطخت دماءهن بقذارة الاظافر المسودة لفتيان المحلة ……

كما تعمق الكاتب في احداث القصة في شخصية  (عادل سليم ) وسرد لنا تفصيلات عن حياة هذه الشخصية التي كانت رهنا للمحرومين الذين يحلمون برغيف خبز ياكلونه في ظل الحرية والكرامة، وللنضال من اجل تحويل هذا الحلم الى واقع ولهذا السبب اختار ان   يعيش وسطهم   ويعمل لسعادتهم  وحل مشاكلهم بعيداً عن الابراج العاجية العالية.......... لنقرأ صورة اخرى من صوره الرائعة   : - شيئأ فشيئأ بدأت أفهم من الحوار الدائر بين امي وتلك المرأة , ان (عادل سليم) ليس بطفل , بل هو رجل كبير … في الحققية اربكني اسمه …كلا , فذالك ذنب صديقي (عادل )… هو الذي جعلني اظن أن (عادل )هو اسم للأطفال فقط … وهذا الذي جعل الحيرة في قلبي … ودفعني لأرى هذا الرجل الذي يشبه الطفل … طوال الطريق , كنت أفكر فيه واستحضره امام ناظري … والعجيب اني لم اصدق انه رجل كالرجال الذين أراهم يوميا في الشوارع و الأزقات المتعرجة في المدينة …

حسنأ . هل نحن ذاهبون الى بيت( عادل سليم )…أم الى السوق ؟ أمي , وكانها تقرأ ما بخلدي , قالت لي : بيتهم في السوق .

رويدا رويدا يدخلنا  الكاتب  معه الى محلة  خانقاه  وهي حي شعبي وبسيط جدا   يسكنه خليط من العوائل الاربيلية القديمة في بيوت متلاصقة مع بعضها داخل ازقة ضيقة مغلقة نهاياتها … كانها عربات لقطار قديم وضع في متحف المدينة ... وهو في طريق باتجاه  السوق الكبير( القيصري ) ...بيوت الحي مصنوعة من الطابوق والطين الاحمر المخلوط بالتبن الاصفر اللماع كانها  الرمز الذي نراه في لوحات مايكل انجيلو  ... ابوابها كبيرة  خشبية مطعمة باقراص حديدية سوداء وممتزجة بالحروف الكبيرة ومتشققة في جوانبها ووسطها كانها درع اخترقته السيوف، والتي كان المرء يسمع قرقعتها مع فتحها او اغلاقها  ,اما  شبابيكها.. فانها مزخرفة بالوان وخطوط دائرية و التي تحمل في طياتها دفء الذاكرة السحرية الممتزجة بالوان قوس قزح  والذي اصبح مرتعا لاحلام ومنفذا لخيال ك . ع . كاكه سوور,  الطفل الذي مايزال يحدق فيهما بفضول طفولي عسى ان  يجد فيها الرموز التي يحاول منذ 33 عاما ان يفكها ويحرر الاجساد التي حبست خلفها ........

وفي القسم الاخير يسرد الكاتب لقائه مع بطل قصته  (عادل سليم) في داره البسيط الذي شبهه في مكان اخر بمسكن المهاتما غاندي والذي كان يقع في زقاق ضيق نهايته مغلقة  ... وهناك يرسم لنا وببراعة  واحدة من اروع لوحاته القصصية حيث يقع في حديث مع نفسه ,وهو  امام عادل سليم الرمز , ليرى لأول مرة في حياته رجلا يصافح النساء ....,ويستقبل الضيوف  بكل حفاوة ليستمع الى قصصهم  والى مشاكلهم في بيته الذي كان مكانا لجمع القصص ....

يصف ك . ع . كاكه سوور  تواضع عادل سليم ويضعنا امام اللوحة الاخيرة التي امتزج فيها  الواقع بالخيال  لينهى بها رحلته  الرائعة , حيث انفرد  بيد عادل سليم  اليمنى التي مددها لمصافحته وهو في حالة الاندهاش والخوف لانه لم يرى في حياته شخصا كبيرا يمد يده اليه للمصافحة ...بل على العكس كان يضرب ويصفع من الكبار وحتى من الذين كانوا من اقرب الاقربين ....

انتهت القصة ......

والسؤال الذي يطرح نفسة بالحاح هو :- مالذي يريد ان يقول  لنا ك . ع . كاكه سوور في مثل هذه اللحظة التاريخية , ولماذا يستنجد ﺒ(عادل سليم) ليظهر من جديد بقامته وهيبته وكبريائه وتواضعه  وسط الفقراء  والمحتاجين في شيخ الله وخانقاه وسيداوه وتعجيل وشورش ومحلة العرب .... بعد غياب  دام  اكثر من 30 عاما ,  في لوحة  مليئة  بالعبر والدروس  والتي هي اكبر بكثير من حجم الحياة ...؟! 

شه مال عادل سليم

This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.

ـــــــــــــــــــــــــ

  * ( ك. ع . كاكه  سوور) مختصر لاسم الروائي الكوردي (كاروان عمر كاكه سوور)   ...

                                 أكتب على يد عادل سليم               

(( لم تدعني طائرتي الورقية أستمع الى القصة لأني بقيت مأسورا بالنظر اليها و هي تحلق في السماء القصية )) .

لا أعرف ما الذي يُميّز هذه المرأة عن كل هؤلاء الذين يمرون في هذا الشارع يومياً بل وفي كل حين الى الحد الذي يصرف إنتباهي عن طائرتي الورقية.. شغفي بطيران الطائرات الورقية يشبه شغفي بمراقبة النساء.. لربما يشعر العديد من اقراني الاطفال في محلتنا بهذا المذاق، غير أنهم لا يجرؤن على إخبار أحد بذلك.. يرتخى الخيط شيئاً فشيئاً .. الطائرة الورقية تطير و تطير كإمرأة فارعة الطول تستلقي بغنج على عشب طري ناعم. لطالما رأيت مثل هذا المنظر في الاحلام.. نعم، الطائرة الورقية تمتد برقة وتتمايل في السماء... و تنخفض .. يخال اليك بأنها مقطوعة، غير أنها فجأة، و قبل أن تصل الى الأرض، تشّد يديك فتسحبها اليك و ترخي، تسحبها إليك و ترخي ، حركة فيها نوع من الغرابة ... حالة مختلفة ... تقوم بفعل شيء و تقصد شيئاً آخر كحاقد يستغيضك عن بعد، صوتك لا يصل اليه، فتوميء اليها ملوحاً بيدك: " انا أعلم ما سأفعل بك" ، الحركات و إن تشابهت ، فان الغايات مختلفة تماماً. في غضون ذلك، تعلو الطائرة و تعلو، هنا يبرز إحساس آخر.. إحساس يخبرك بأنك ذو سلطة.. كنتُ قد لففت الخيط على علبة معدنية ، والعلبة هنا ليست كقطعة خشب أو بكرة، إذ يمكنك أن ترخي الخيط أو أن تلفه بسرعة كبيرة ، مذاقها أجمل.. و أحياناً تدق بأناملك أسفل العلبة كالطبل و تغني.. الى أن ترتفع طائرتك أكثر . هذا الإحساس يكبر كلما علت الطائرة لولا أن خيطي قصير... سرقته من درج ماكنة خياطة أمي.. أوصالٌ عقدتها .. و أنا أصنع الطائرة الورقية سراً و أطيّرها خلسة.. و ربما يكون ((طفل يطير طائرة ورقية خلسة)) عنواناً عجيباً لقصة، لكن ماذا عساي أن أفعل، هذا أنا.

لو علم أبي إني مزقت هذه الصفحات من دفتري، سيعلقني. لإني أستخدم لكل طائرة ورقية عدة أوراق، آخذ معظمها من دفتر الرسم، لأنه كبير الحجم ، أملس و انقى. أقطعها بالمقص و أخصص للرأس و الذيل و الأجنحة قطعا رفيعة.. الأطفال الآخرون يسمونهما ذيل و جناح، لكني أسميهما يدا و ساقا لتشبه المرأة تماماً .. أصنع لها شعرا، إنا مفتون بالشعر.. و لا يهمني إن كان الشعر طويلاٍ أو قصيراً، ملفوفاً أو سارحاً، أسوداً أو أشقراً أو أي لون آخر، لكن المهم أن يتحرك... و حركته مدهشة... هذه الريح تحركها بغاية الروعة... لديّ حلم لا أظنه خطر ببال طفل آخر لا في محلتنا ولا في المحلات المقابلة، أحب أن أصنع طائرتي الورقية على هيئة امرأة ترقص ، تشبه الراقصات اللواتي شاهدتهن في التلفاز و اطلت التحديق فيهن ، (تحية كاريوكا)، (سامية جمال)، (هالة فؤاد)، (سهير زكي)، و أخريات كثيرات. أحفظ علامات أجسادهن شبه العارية بالتفصيل أكثر مما أحفظ نشيد المدرسة. و أود أن أزين طائرتي لتصبح مثل أجسادهن شرائط براقة، تول أبيض شفاف، و خرز ذات فصوص، و أعطيها طقاقتين "طق طق طق" تضربهما ببعض في الهواء. عندها أدق العلبة كالطبل، و لكن دون و عي مني ، أغني لهن أغنية تليق بهن: (يا فرحتك ... تر..رن ... يا فرحتك .. تر..رن .. تر..رن .. يا فرحتك يا هناكي .. يا هناكي .. ترنن نننن ننن). مثل العديد من أطفال المحلة أحفظ هذه الأغنية المصرية و غيرها، دون أن أفهم تماماً معاني كلماتها. خمس راقصات ناعمات يرقصن معاً مع هذه الأغنية التي شاهدتها في فيلم لـ (نجيب الريحاني). مع أن هذا اللحن أو هذه الأغنية، كما تتجلى في كلماتها، تحكي عن الفرح، لكنها عندي تمطر الهموم أضعاف ما تمنح من السرور ،لأنني، هكذا، أتلذذ بأغاني الحزن ، لشيء واحد فقط، إنها تذكرني بالماضي.

إنه لأمرٌ عجيب.. كأني لم أعش ذلك الماضي، أو كأني مررت به و قد تغّشاني النعاس. حين استفقتُ أخبروني أنه كان لي ماضٍ عظيم... الغطاء الشفاف الذي يغطي الأجساد العارية للراقصات ،الأجساد التي تهزها الرقصات برقة ، يشبه الطائرة الورقية و سُحبَ الخريف .. الآن سواء كنت أفهم أو لا أفهم كلمة من هذه الأغنية لا يغير شيئاً في الأمر من إنني أريد أن أرددها. ما يهم هو أن تهزني طائرتي الورقية. هذا المنظر و هذا الطرب، مثل هذا اللحن يهب لي خيالاً عجيباً.. أشعر و كأني أنغمس في رمل ناعم، في البدء أصابعي و قدمي ثم كل جسدي .. أغور نحو العمق، لكنني في قمة الإستمتاع و اللذة ..

لكي أعود الى وضعي السابق ، لا أعلم هل يجب علّي أن أصعد أو أن أنزل. تطير روحي مع كل حركة من جسد هذه المرأة الراقصة في السماء .. ليس بمقدوري وسط كل هذا الإستمتاع والفرحة أن لا أشعر بخوف كبير .. أخشى عليها أكثر مما أخشى على نفسي .. لقد نسيت شيئاً كان يجدر بي أن أذكره قبل كل شيء .. ظل طائرتي الورقية على الأرض يبدو حقيقة كأمرأة .. فها هي متمددة عارية .. تظن احياناً أنها نائمة وأخرى يخيل اليك أنها قد استيقظت للتو. ليس من السهل أن تعرف، حين تغيّر حالتها من الإستلقاء على بطنها الى إلاستلقاءها على ظهرها أو حين تغير برقة يديها و ساقيها من وضعٍ الى آخر، هل هذا دلال أم أنه حلم .. غالباً ما يكون ظل طائرتي عندي أهم من الطائرة نفسها .. كلما رأيت أن الظل لا يشبه المرأة تماماً، أتلاعب بها .. وأغير شكلها .. ربما بأضافة شيء أو إنقاصه ، حتى يصل هذا الشكل حد الكمال عندي.. هنا تتعلم رغماً عنك أنه ليس شرطاً أن يشبه الظل أصله .. و الأهم من ذلك، إنك إن لم تغيّر من الصورة التي في السماء، فأن هيئة الظل لا تتغير على الأرض .. و طالما أن الظل و الشيء ليسا شيئاً واحداً ، فعليك أن تعلم ما هو التغيير الذي يجب أن تقوم به هناك. إذا أردت مثلاً أن تظهر ثديين للظل، فربما تحتاج لأن تضيف شيئين للطائرة لا يشبه أي منهما الثدي، لكن من الضروري أن تدرك كنه ذلك .. عليك أن تتعلم شيئاً فشيئاً، أي شيء على الأرض يرادف معنى شيء في السماء .. تريد الثدي؟ اذهب و ابحث عن شيءٍ آخر .. تجده تحت الحروف الأخرى .. ربما أكون فتى غير مجدٍ، لكني، بشهادة جميع أصدقائي، لا نظير لي في صنع الطائرات الورقية .. أستطيع أن أصلح عيوب أسوأها .. ما أن أنظر الى أية طائرة ورقية و هي على الأرض، حتى أعلم كم يمكنها أن ترتفع و كم مرة سوف تتقلب و الى أية جهة تميل و تسقط الى الأرض .. الطائرة الورقية على عكس الحمامة لا ينبغي لها أن تتقلب .. غير إني أعلم كيف أعالج الأمر .

من الأهمية بمكان أن تعرف في أي مكان من مساحة الورقة عليك أن تعمل الثقوب الأربعة التي تُدخل فيها الخيط و كم يجب أن تكون بعيدة عن بعضها البعض. إذا عرفت ذلك، عندها تطير طائرتك بصورة عمودية نحو السماء، و الاّ فانها تنحدر .. أو تطير بصورة أفقية .

عندما تحط الحمامة على سلك عمود الكهرباء أو هوائي التلفاز، فانها تجلب أكبر عار لصاحبها و يجب أن تقطع رأسها .. لا أحد يعلم من أين جاء هذا الأمر .. رأيت عشرات الحمامات مثل فتيات عاشقات او نساء يتبعن رجالا دون اذن من أهاليهم و قد عوقبن بأن قُطعت رؤوسهن .. تلطخت دماءهن بقذارة الأظافر المسودة لفتيان المحلة .. و الطائرة الورقية أيضاً يجب أن لا تعلق بالأسلاك و لا بهوائي التلفاز ..

بعض البيوت فقط فيها تلفاز .. في الليل يتفرج عليه الأطفال مقابل خمسة فلوس في كازينو (فاطمة الخبازة) .. يجلسون على الرصيف و يتوقفون عن الحركة .. محلتنا جديدة .. فيها ساحات واسعة جداً و ملائمة لطيران الطائرة الورقية .. خلف دارنا ثمة سهل يبدأ من عندنا و يمر بأطراف محلة (بلاشاوة) ومحلة (باداوة) و لا أحد يعلم أين ينتهي .. أمنيتي أن أصل بطائرتي الورقية الى هناك بما يجعلها تختفي عن ناظري .. أحس بها بفضل الخيط فحسب، حين يكون مفعماً بالقوة و يهزني باستمرار،  أعلم أنه غير مقطوع و أنه تحت سيطرتي .. حين ألف الخيط لاسترجعها اتخيل انها كشفت لي عشرات الأمور العجيبة و مئات الأسرار .. ذلك لأنه حين تطير الطائرة، فان الاوهام تخلق لك عشرات الأحاسيس العجيبة في قلبك، تلك التي لم يسبق أن رأيتها في نفسك .. أحياناً تكون صياداً و قد تعلقت سمكة كبيرة في صنارتك .. بسبب هذا الانجرار تنتفخ روحك كمنطاد ضخم .. و تمتليء باللذة .. خيوط طائرات أصدقائي طويلة جداً .. و أنا أطيرهن لهم لإكتشف العيوب التي فيهن .. أستمتع بهن أكثر مما أستمتع بطائرتي .. أولست بارعاً في صنع الطائرة الورقية ..؟ أنا أصنعها لهم بنفسي و أنا أعالج عيوبها .. و بهذه الطريقة أدخل الى بيوتهم .. و أدرك الكثير من أسرارهم .. الى الآن رأيت الكثير من الأزواج في أحضان بعضهم .. و سمعت الكلمات الرقيقة التي يقولونها لبعضهم في الفراش .. أنا أقول الكلام نفسه لطائرتي الورقية .. و عندما تحلق طائرتي أنسى ما حولي .. ذات مرة صدمتني دراجة هوائية لمعلم بدين .. أو بالأحرى أنا صدمتها .. إثناء كل هذه التخيلات العميقة والمركزة، كيف لي أن أميز بين الإتجاهات ؟ .. كيف لي أن أعرف ما يصدم ما و من يصدم من ؟.. جميع الأشياء في حركة فوضوية تتلاطم الف مرة مع بعضها في لحظة واحدة .. كل ما أعرفه هو إني وقعت على الأرض .. جرحت ركبتاي .. تقاطر الدم من أصابعي .. و فلتت علبة الخيوط من يدي، إلا أني ، لحسن الحظ ، تعلقت بإطار الدراجة و سحبتها و المعلم بكل ضخامة جسمه وقع على الارض.. و بعبارات الشتم و اللعن نهض .. كان ينفض ملابسه و يشتم أقاربي البعاد .. النساء أمام الأبواب فرطن في الضحك على المعلم الذي أخذ يشتمني أكثر .. كانت الطائرة على وشك أن تسقط، لحقتها، ولكن أناملي المدمية صبغت الخيط الابيض بالأحمر .. كم من مرة أوشكت سيارة أن تدهسني و تلصقني بهذا الأسفلت الصلب ..

في حلمي رأيت أن طائرتي تعلقت بنعش محمول فوق أكتاف العديد من الرجال، مروا بالنعش قاطعين هذا الطريق متبوعين بعويل النساء و الاطفال . لقد خفت كثيراً .. أحاط بجسدي و روحي فزعٌ يشبه ذلك النعش.. بعد وهلة، توقف الجميع مثلي عن الحركة و التزموا الصمت .. لا أحد يبكي و لا أحد ينوح و يندب، لا أحد يتحرك ، كانوا كأصنام قريش .. أصدقائي يخيفونني أكثر، حين يقولون: "أتعلم ما معنى هذا؟" .... بعد حين علمت أن الميت هو الذي كان مربوطا بخيطي و ليس الطائرة الورقية .. كلما كنت أرخي الخيط أكثر، كان الميت يقترب اليّ أكثر .. لم يكن بمقدوري أن أرمي علبة الخيوط وأهرب .. في السماء كان الرجل الميت مثل الطائرة يحرك اليدين و الساقين .. كان رجلاً ضخماً ملتحياً .. يفتح فاه الكبير و يسألني:

-         ألا تدلني على بيتٍ خالٍ ؟

بالرغم من إنه كان يتحدث اليّ بلطافة إلا اني كنت احس أن خلف كلماته أمرا آخرا يحمل الى نفسي الخوف فأحس بالرعب ..الناس يظنون انهم يأخذون النعش الى المقبرة لكنهم لا يعلمون إنه فارغ و أن الميت قد تعلّق بخيطي .. أردت أن أناديهم، لكن صوتي لم يخرج.. كانت الكلاب تأتي من السهل و تنبح عليه .. ينتظرون أن يصل الى الأرض فيمزقونه بمخالبهم وانيابهم إرباً .. استيقظت مفزوعا، نظرت داخل الغرفة المظلمة عندها أيقنت أكثر من أية مرة إن طائرتي الورقية حيوان عجيب يفهم الأسرار .. و أن بمقدورها أن ترى مستقبلي ..  تخبرني أشياء بالإيماءات .. تشغلني تماما عمن حولي بيسر وسهولة .. لكني حين أتلقى صفعة على خدي و تظلم الدنيا في عيني ، أدرك رغم الآلام أن ذلك الكف القوي يعود لوالدي الذي ازعجه استغراقي .. كان خدي و بقية اعضاء جسدي في حالة شبه ثابتة، ولايحركه غير ذلك الاهتزاز الذي كان يحرك طائرتي.. و قد جعلته هدفاً .. فلتت العلبة من يدي و لا أدري أين وقعت طائرتي .. ربما هي أيضاً هربت ولا تجرؤ أن تعود ابداً خشية منه.. تركتني وحيداً .. لكن كيف تمكنت هذه المرأة دون أن توجه لي صفعة أن تخرجني من خيالي العميق هذا ..؟! يا ترى هل هي تشبه الطائرة الورقية أيضاً ..؟! كلاّ، هي لا تشبه أحداً .. لم أرَ من قبل اية امرأة فيها ما يشبهها .. أنا لا أعلم لماذا أصبحت لغزاً بالنسبة لي .. دنتْ مني و نظرتُ إلى محياها عن قرب .. كنت اقرأ في عينيها عشرات القصص.. على أن ما لم يستوعبه عقلي و لم أكن أستطيع أن أتخيله هو إنها من بين كل تلك الأبواب سوف تدق بابنا و تدخل ..لا أدري كيف استطعت أن ألف الخيط على العلبة بعدها رجعت الى البيت، ما أن وصلت حتى كانت قد روت قصتها لأمي .. رأيت وجه أمي يعتريه الحزن .. هذه المرأة كانت كمصباح يشع حزنا بدل النور.. هذا ليس وصفاً من عندي أو لنقل شعراً من نسج خيالي، بل ما أوحته لي لوحة معلقة على جدار بيت أحد أصدقائي .. فتاة بقميص وردي و تنورة زرقاء فاتحة، أنا أقول زرقاء فاتحة، لكن قد يكون لها لون آخر، أو لا يكون لها لون البتة، أو كي نسهل الأمر لنقل أنه كلون النهر الذي عكرته حركة الأسماك قليلاً .. بقميصها و تنورتها جلست على سرير بالٍ مقابل أمها وقد أحنت رأسها .. أمها كانت قد شدت رأسها بقطعة قماش زرقاء داكنة و مدت يديها بصورة مروعة نحو إبنتها .... تفهم من ذلك بسرعة انها تقول: (كيف ..؟!) .. (لماذا ..؟!) .. (أخبريني)) .. (ماذا حدث ..؟! قولي لي) .. أبوها العجوز، الذي يشبه هيكلا عظميا ملفوفا بكيس يقف خلفها مصغيا ، محاولا بأذنه الضعيفة سماع ما حدث لابنته المحزونة .. لإنها، مثل تلك المرأة التي أتت الى منزلنا، لديها قصة عليها أن ترويها .. هل تظن أنها حين خرجت بهذه الملابس كانت سعيدة و تنتظر نبأً ساراً ثم عادت بعد ذلك بقلب كسير ؟ .. حين تكون مسروراً أو حزيناً، فقد لا يعني لك شيئا أي ملابس ارتديت و عن أي شيء تعبر ألوانها ، زمن ارتداء الملابس و زمن وصول السرور و الحزن ليسا سواء .. ربما من الأفضل لك أن تتلقى الخبر و أنت عارٍ، لتقرر عندها أي ملابس تلائم تعابير وجهك ، حزينا أم سعيدا كان.. من يقول أن العري بحد ذاته ليس لباساً سميكا قبيحا . .. أوليس العري هو الغطاء الذي يقول للآخرين نحن عراة ..؟! لولا هذا الغطاء، من كان يعلم ما هو العري ..؟! الجدار خلف اللوحة ذو لون أصفر فستقي .. عرفت بسهولة أن الرسام أراد أن يقسم هموم الفتاة على ما حولها، لذا نرى أن آهات صفراء علقت باردة على الجدران، هذا لا يعني إني طفل حاذق، الجميع يستطيعون أن يصلوا الى هذه الحقيقة بمجرد النظر الى اللوحة.. أنا متأكد من قدرتي على استحضار هذه اللوحة بعد سنوات في ذهني.. حتى الطاولة البنية التي وضع فوقها طبق صيني و في أسفلها أسندت زهرية صغيرة ، بامكاني استذكارها كما هي .. لكن كم هو مؤسف أنك لا تستطيع أن تسمع القصة بلسانها ..!!

تساؤلاتي كانت في ازدياد .. من هذه المرأة ..؟! من أين أتت ..؟! الا تظن انها سقطت من طائرتي الورقية ..؟! أو جلبتها طائرة أحد أصدقائي معها من هذا الفضاء الخفي مثل سر عجيب ..؟! لا أدري .. لا أدري .. كل ما أعلمه هو أن على أمي أن تذهب معها الى بيت (عادل سليم) و أن تصطحبني معها.. لابد أن أسمع هذه القصة .. من يقول أنها ليست الفتاة التي في اللوحة ..؟! نسبة الى طفل عمره بين السابعة و الثامنة مثلي، غريب أن يُعرف بيت باسم طفل، فقد علمت أن الأب هو مالك كل شيء .. أسأل نفسي: ماذا يكون هذا الطفل، لكي تذكره امرأة بهذا الإهتمام و تذهب لتطلب منه المساعدة. إذاً لماذا لا استطيع الجزم أنها سقطت من طائرتي الورقية أو من طائرة أحد أصدقائي ..؟! أستذكر الكثير من هذه القصص التي سمعتها من زوجة عمي .. في قصصها فقط يقوم الأطفال بأمور عظيمة .. فهم يرشدون الكبار إلى الطريق .. و بمقدورهم أن يضلوهم.. الى الآن لم أرَ أمرأة مثلها تستطيع أن تقص القصص بكل هذه الجاذبية .. هي نفسها قالت لي أن هناك إمرأة ما أن تروي قصصا، حتى تتحقق الأشياء و تظهر للمستمعين في الحال .. ما أن قالت : " هبت عاصفة " حتى هبت عاصفة حقيقية قوية رفعت كل شيء نحو السماء .. و ما إن قالت أمطرت، حتى تبلل كل مستمعيها في الغرفة و تضائل الموقد شيئاً فشيئاً ثم خمد .. و لو قالت انها امطرت بَرَدا، لكسرت حبات البَرَد الأوعية و الصحون و المرايا داخل الغرفة و نثرتها في وسطها .. أحياناً يضيء البرق السقف و الجدران .. كل ذلك يحدث حين لا يبدو عليهم الاكتراث ، عندئذٍ تتحول أجسادهم الى أذان متلهفة لسماع القصة برمتها.

من قال إني لم أرد سماع القصة برمتها .. نعم أردت .. شيئاً فشيئاً بدأت أفهم من الحوار الدائر بين امي وتلك المرأة، ان (عادل سليم) ليس بطفل، بل هو رجل كبير .. في الحقيقة اربكني إسمه .. كلاّ، فذلك ذنب صديقي (عادل) .. هو الذي جعلني أظن أن (عادل) هو اسم للأطفال فقط .. و هذا الذي جعل الحيرة في قلبي .. و دفعني لأرى هذا الرجل الذي يشبه الطفل .. طوال الطريق، كنت أفكر فيه واستحضره امام ناظري .. والعجيب إني لم اصدق انه رجل كالرجال الذين أراهم يومياً في شوارع و الأزقات المتعرجة في المدينة.

حسناُ. هل نحن ذاهبون الى بيت (عادل سليم) أم الى السوق ..؟! أمي، و كأنها تقرأ ما بخلدي، قالت لي:

-         بيتهم في السوق.

الى الآن لم ادرك سبب خوفي من تلك الجملة، التي نطقتها أمي بصورة اعتيادية.. لكن يا ترى هل كان ذلك خوفاً ..؟!

ذات مساء كنا انا وابنة جيراننا نحدق في مجموعة من الطيور في السماء .. كانت الطيور مرتفعة و مسرعة .. دون أن تصرف نظرها عن هذه المجموعة التي كانت تبدو كحروف شفافة على جدار المدرسة قالت لي:

-         أتعلم أننا سننتقل للعيش في القلعة ..؟!

طيلة عمري لم احب تلك الفتاة، بل قل انني لم أشأ ان ارى وجهها، ولكن لست ادري لماذا ابكاني كلامها.. ذرفت الدموع ، ظننت أنها طائر هوى من صف الطيور المار في السماء فوقنا .. سابقاً حينما كانت تهزني حادثة او كلام عاطفي او مأساوي، كنت في البدء أفكر بالحادثة ، كأنما كانت تحفر قلبي بطيئا الى ان يخرج منه ماءٌ يفور من عينيَ .. لكن هذه المرة إختلف الأمر تماماً .. تخيلتها في نافذة أحد بيوت القلعة قد جعلت يديها أرجوحة لذقنها، و على ذلك الإرتفاع تنظر بوهن و حزن الى السوق و المدينة كلها .. لولا الخوف من أبي لأحضرتها تلك الليلة مثل أرنب خجول و أنمتها في أحضاني حتى الصباح .. مثل الأرانب التي كنت أراهم في باحة بيت صديقي (عادل) .. و لصببت دموع الدنيا على شعرها و وجهها .. شعرت بالأسى على كثير ممن إنتقلوا من محلتنا .. لكن لم أبكِ على أحد منهم .. لو قالت مكاناً غير القلعة يا ترى، هل كان يؤثّر فيّ هكذا ..؟! القلعة تمثل لي سراً عظيماً .. خوفا ابديا .. لذلك أعقد الآمال أنني في يوم ما سوف أحصل على خيط طويل جداً لطائرتي الورقية لكي أوصلها الى هناك و ...

تندى علينا أول مطر خريف هذا العام، ولم يبللنا .. ارتفعت رائحة تراب ذلك الطريق الجاف الى أنوفنا .. هذه أزكى رائحة لديّ .. لأنها تذكرني ببعض أمور الماضي الغامضة.. ولكن المنظر الأجمل هو منظر الدجاج والديوك والديك الرومي الذين ينضمون بعضهم إلى بعض بصورة عجيبة باحثين عن ملاذ، ليحموا اجسادهم من البلل. بعضهم يذهب تحت عربة بيع الخضار و الفواكه، حيث تجد واحدة أو أثنتين منهما واقفة في كل زقاق من الأزقة الضيقة و المتعرجة .. البعض الآخر يلصق نفسه بالجدران .. كلاّ، أنا أقول أنهم لا يخشون المطر، لكنهم يعّبرون بهذه الطريقة عن مجرد دلال.. من ريشهم أيضاً تنبعث رائحة زكية .. رائحة حرارة الصيف الحارقة و رطوبة الخريف المعتدلة، التي يمزجهما هذا المطر شيئاً فشيئاً .. لون سُحب الخريف لو تأملت فيها بعين طفل مثلي، لوجدته يشبه لون ريش الحمامة أو الأغطية الشفافة التي تتغطى بها النساء الراقصات .. كلون رمادي هاديء .. نعم، إنها شفافة الى حد يجعلك تظن في الكثير من الأحيان أنها ليست سُحباً، بل هي حبر .. الحبر ليس أسماً مطابقاً تماماً لها .. لكن حين تبحث كثيراً في خيالك عن شيء ما، ليشبهه تماماً و لا تجده، تضطر عندها أن تقول إنه الحبر .. و لهذا بعيداً عن رغباتك تصف بلسان طفل هذا المطر الناعم و تقول: (السماء تتكلم مع نفسها) .. أو: (السماء تغني) .. و إذا علمت إن هذه الكلمات اصبحت بالية، تلجأ الى وصف آخر و تقول: (السماء تقّبل الأرض) .. أنك عندما تنظر الى سُحب الخريف و المطر يتقاطر على شعرك و كتفيك، فكأنك طفل بدأ للتو يمشي حتى و إن كان عمرك قد تجاوز القرن ..

كثير ما حلمت أن أصنع من سُحب الخريف طائرة ورقية و اوصلها الى أعالي السماء.. لا يمنحني أي فصل متعة جماله الى ان يمضي. في الصيف أستذكر الشتاء و في الشتاء أستذكر الصيف .. إذا عاد الشتاء هذه المرة سأفعل كذا و كذا .. كلاّ، أنا أحب الصيف .. ولست ادري أي فصل أحب أنا و أود أن أعيش فيه ..؟! أرتدي لباسا من نار .. وبلا هوادة ادحرج عجلة العربة، و أركض داخل نفق فصولي المظلم .. لا استكن .. قبل أن يراودني النوم يشغلني هذا الخيال..لا يستطيع هذا المطر السحري أن يغيّر شيئاً من الوجه الحزين لتلك المرأة، التي عرفتُ قبل لحظات تحت مطر الخريف هذا أن اسمها (ﮔﻭلبه هار) .. و علمت حين اطلقت على الدم خوون*، بانها من مدينة كويه*، لأني تعلمت هذه الكلمة من بيت جيراننا (عادل) .. عندما أرادت أمه أن تنشر الغسيل على الحبل، غضبت منا و قالت:

-         الآن توقفوا عن هذا كله.. خوون أو خين سواء .......؟!

فجأة نظرت الى زوجها و قطعت حديثها .. تابعت نظراتي نظراتها حتى التقتا عند ساق (أبي عادل) المبتور، كان يستند على عكازتين تحت جناحيه ويتأمل الأرانب .. أو خيل إلينا أنه يتأملها، لم يكن من السهل أن تعرف الى أية ناحية ينظر و بماذا يفكر .. كان قليل الكلام ، يفكر باستمرار.. بل لم يكن يتكلم .. أتخيل أنه طوال حياته لم يتفوه ببنت شفة حتى مع زوجته ، لكن (ليلى) الشقيقة الكبرى لعادل قالت ذات مساء لإحدى بنات جيراننا:

-         لا تقولي ذلك .. لو تعلمين كيف كان في السابق ..!! ما حدث له ليس بهيّن ..؟!

ثم قالت:

-         لا تفكري إنه نحيف و هزيل .. كان كرجلين .. لو حدث هذا لغيره في مكانه لمات .. أحد أصدقائه لم يتحمل اسبوعاً فتوفى.

(أم عادل) نشرت بيجامة زوجها قبل الملابس الأخرى على الحبل .. و هي من القماش (البوبلين) المقلم .. تبدو أكبر من حجمها لكثرة امتصاصها للماء .. احدى ساقيها مبتورة أيضاً.. بل لم يفصلوا لها الساق اصلاً ..عادت إلى ذهني مسألة الجسد و الغطاء مرة اخرى .. من يقلد الآخر ..؟! لكن ماذا يفهم طفل مثلي من ذلك..!! آلة تصويره التي كان في الماضي يلتقط بها الصور الشمسية بجانب حائط القلعة، و التي تستند على ثلاثة أرجل خشبية، كانت مغطاة بقماش أسود كجلد الجاموس .. أنا لم أرَ آلة تصويره، لكن بجانب حائط القلعة رأيت هناك عددا من الرجال يلتقطون الصور بمثلها، لو تراها ليلاً في الأزقة الضيقة و المتعرجة  في محلة (سيداوة)، لظننتها افراخ زرافة .. ليس من السهل أن تكون برجل واحدة و تستخدم آلة مثل هذه .. يقول لي (عادل):

-         نحن نسمي دمائنا خوون .. و أنتم سموا دمائكم خين .. إتفقنا ..؟!

أنا لا أجيب خوفاً من أمه، لكن أشعر إن الكلمات التي تنطقها تقطر منها الدماء .. تملكتني رغبة بالبكاء ، أود أن أقول له: "من الآن فصاعداً، سوف أسمي دمائنا و دمائكم و دماء جميع الأربيليين خوون .. أنت لا تعلم إنك، دون قصد منك، كيف بهذه العبارة البسيطة ملأت قلبي بالـ" خوون" .. أفكر في تلك المرة التي أخبرني فيها أنهم دفنوا ساق والده في قبر .. و حين يموت، يدفن هناك مع ساقه .. في تلك الليلة انتابني الخوف كثيراً .. لم أجرؤ على الذهاب حتى الى الرواق بمفردي .. و بهذا الخوف كنت أنظر من النافذة الى الباحة .. و كجميع الليالي السابقة، كان الكونكريت البنفسجي لباحتنا يشبه البركة التي كانت خلف منزلنا القديم، لكني خوفي منها كان هذه المرة أكثر .. كنت اتخيل ان الساق التي دفنت قد تظهر خلف شيءٍ ما وتمشي في باحتنا .. تصعد من خلال الأدراج و تصل الى سطح المنزل .. ثم تهوي بنفسها من فوق سياج الدار، ثم تقوم و تخطو وسط الحديقة فيعلق بها طينها .. تسحق  في الليل ، شيئاً فشيئاً ، الضفادع التي تجد الفرصة فقط في خيالي المشوه الفوضوي ، الضفادع التي تأتي من البُرك القريبة من منزلنا الى داخل الباحة و الحديقة .. فجأة تتسلل الساق من نافذة غرفتنا و تسقط على مدفأة من نوع علاء الدين .. تنقلب المدفأة فتضرم النار في الفراش ... يهرع الناس من كل فج عميق لاغاثتنا محاولين اطفاء النار .. لكن ما أن يرشوا الماء على النار حتى تتحول الى دماء   تفور نحو السماء ...

الآن حتى إذا بكت (خالة ﮔﻭلبه هار)، فلا نشعر بها لأن دموعها تختلط بقطرات المطر التي تسيل على خديها .. ربما يكون البكاء هو السبب الذي يجعلني لا فهم كلامها جيداً .. لم يتضح لي عن ماذا تتحدث .. ربما لا تريد أن تكشف عن لغز القصة، الى أن تقصها لـ (عادل سليم) .. عجيب! لحد الآن لا أريد أن أنادي هذا الرجل بالخال أو العم أو الأستاذ .. لازلت مصّراً على أنه طفل في مثل سني ....

حين إقتربنا من بيوت رعاة الجاموس، خفت وخطوت بحذر، مثل كل مرة، لأني كنت أعلم ان الجواميس تهاجم الناس بقرونها الحادة وتجأر بشكل رهيب .... فجأة هزت مسامعنا أصوات دفٍ و سلاسل ممزوجة بأصوات عشرات الرجال و عويل النساء و الأطفال ..

أرى نعشاً على أكتاف بعض الدراويش مغطى بقماشة خضراء .. عشرات آخرون من الدراويش يتبعون النعش بالصياح و الصلاة على النبي يضربون بالحراب و بالسيوف بطونهم و أفخاذهم و أذرعهم العارية .. يتطاير شعرهم الطويل في الهواء .. يخيل اليك أنهم اسراب غربان عصف بها خوف مفاجئ من الأرض نحو السماء .. يدقون الدفوف بقوة عظيمة يهزون أرواحنا و الأرض من تحت أقدامنا .. نحن نسير الآن فوق دف عظيم .. أجسادنا خفيفة .. لا نخشى أن نثقب الدف الكبير الرقيق تحتنا ..  فنحن في حالة لا تشبه الطيران و لا الحط .. الدراويش ينحنون أحياناً دون أن يغيّروا من سرعة مسيرهم،.. تظنهم سيضربون بدفوفهم على ركبهم أو يدقون عليها بالأحجار فيجعلونها آلاف الأوصال و ينهون هذه الجلبة، لكن فجأة و بصراخ هائج ينهضون رافعين الدفوف الى فوق رؤوسهم .. نجد أنفسنا في رقص بهيج شئنا أم أبينا.. صوت السلاسل في حافات الدفوف تدقها اصابع الدراويش بجنون ينّظم إيقاع خطواتنا و خطوات المارة الآخرين في هذا المحيط كصف الجنود .. تتحرك أيادينا بنفس الإتجاه .. آه، لقد أنسوني الجواميس ..!! جلودها السميكة السوداء أحب أن احدق فيها حين تلمع تحت أشعة الشمس.. يسيل لعابي .. ((قشدة الجاموس الدسمة)) .. مثل هذه العبارة كفيلة بأن تجعلك تشعر بالجوع حتى وإن كنت شبعاناًً .. تشغلك في صف المدرسة فتصرف إنتباهك عما يقوله المعلم .. غير ان أمي على خلاف نساء المحلة تشمأز من هذا الرجل فلا تشتري منه، يجلب هذا الرجل ما لديه على حمار أسود و ينادي بأحلى صوت: ((لبن .. قشدة .. لبن .. قشدة)) .. يترنم في أذني، و يقول: (هي ماغي .. ماغي .. ماغي )* .. القشدة شديدة البياض و الجلد أسود للغاية .. هذه الألوان تجنني .. الخوف يمنعني، و الاّ لكنت لمستهم كلهم واحداً واحداً، بالرؤية فقط أعرف كم هي ملساء جلودهم.. (ليلى) شقيقة (عادل)  الكبرى كانت ترتدي تنورة سوداء للمدرسة .. كلما نظرت اليها، تذكرت جلود هذه الجواميس .. ملابس أمها سوداء أيضاً، غير أنها لم تكن تشبه جلد الجاموس .. لا أدري كيف كنت أستطيع أن أميّز بينهما .. أفلا يقولون أن الأسود هو الأسود ..؟!

* يريد الكاتب أن يقول بهذا ان الكلمتين الكرديتين ( ماست ) و تعني (لبن) و( قيماغ ) و تعني قشدة تمتزجان لسرعة لفضهما من قبل بائع اللبن  فتكون الكلمة المسموعة ( هي ماغي ماغي هيقيماغي )  كلحن وميلوديا  سريع وممزوج بين كلمتين .

في باحة بيتهم كانت حركة الأرانب و هي تلعب تجذبني أكثر من أي شيء آخر .. ينطون هنا و هناك و يأكلون الفواكه و الخضار التالف التي كان (عادل) و شقيقاته يجلبونها من البراميل الموجودة أمام المحلات قرب (حمام اسكان) . كانت الأرانب كثيرة جدا، حتى هم انفسهم لم يكونوا يعرفون كم عددها.. مع إن عددها يجب أن يكون عندهم أهم من شعرها الناعم و آذانها القصيرة و عيونها الرمانية .. أمهم كانت بين الفينة و الأخرى تدخل الأرانب في قفص .. تأخذ بعضها الى السوق وتبيعهم كامرأة فقيرة كما في القصص المشهورة .. (أبو عادل) وضع بعض التراب أسفل أحد الأقفاص و زرع فيه زهرة .. أثار الموضوع إعجابي .. لم أستطيع فهم هذا الإحساس الذي اعترى قلبي .. لم أعرف هل كان فرحا أم حزنا .. في البدء ظننت أنه فعل هذا خوفاً عليها من الأرانب حتى لا تأكلها ، ثم توصلت الى الإعتقاد بأنه يريد أن يقول أن في هذا البيت كله، بل في الدنيا كلها، ليس لهم سوى هذه الزهرة التي في القفص.. كلاّ، ربما كان لديه مقاصد أخرى ..

الأرانب كانت لهم، لكن أنا الذي كنت أستمتع برؤيتها أكثر منهم .. (الحاج رمضان الريحاني) مالك الدار التي يسكنون فيها ، كان على الضد مما أشعر يضيق صدره بالأرانب.. يزورهم في فترات متقاربة و يعّبر لهم عن سخطه .. وبعد رحيله أخذ (عادل) يمسك بعصا فيجعلها مثل العكاز الذي كان ( الحاج رمضان ) يحمله في يده فيقول مقلدا كلامه بغضب شديد  كأنه شرر نار ينطلق من بين أسنانه المتسوسة.. مشيرا بالعصا الى فتحة الأوجار التي حفرتها الأرانب:

-         حسناً، هنا بدايتها .. لكن أتعرفون أين نهايتها ..؟! عميقة عميقة ..!! في قبر أبي .. إذا لم تنهار هذه ا لدار يوماً، فاعلموا إني ولد حرام.

ها نحن نعبر فوق المعبر الحجري في الساقية التي عند بيوت رعاة الجاموس .. يشوه الماء صورة الاحجار المغمورة فيه فتبدو كوجوه كساها الحزن و الحيرة .. الاحجار الصغير و الكبيرة  المستلقية حسب أهوائها على بطونها و ظهورها متتابعة حتى أعلى سطح الماء، نحن نضع الأقدام عليهن و نعبر .. و للعبور لاتهم قدرتك، بل المهم أن تعرف مقدارا من الحيل و الفنون .. فالعبور يشبه الرقص تماماً .. رقص مختلف كلياً عن الرقص الذي أجبرتنا على فعله رغماً عنا دفوفُ و سلاسلُ و صياح الدراويش قبل قليل .. لا ينبغي أن تسرح بخيالك و تفكر في الماضي أو المستقبل .. إن كنت حزيناً أو سعيداً، لابد ان تهز خصرك .. و تحرك يديك كمجذاف الزورق في هذا الإتجاه و ذاك .. ها هي أمي و (الخالة ﮔﻭلبه هار) ترقصان رغماً عنهما .. مع إني أعلم أنه ليس محببا أن أقول لأية إمرأة كويية خالة أو دادة ـ أهالي كوي ، النساء خاصة يحسبن أنفسهن شابات حتى في التسعين ، تبقى قلوبهن شابة دائما ـ لكن الحالة التي عليها ( الخالة كولبه هار ) قد حجبت كل سماتها الكويية و أظهرتها أربعة أضعاف عمرها

.. المطر غيّر لون الماء .. جعله كلون السُحب .. و لا يمكن أن لا تعده جميلاً، حتى و إن كنت على يقين بانه نفس القذارات اليومية .. هكذا هو اللون، لا يعرف الوساخة و النظافة .. في أي مكان و زمان أراد، خرج ووضع كل شيء تحت سيطرته .. ها هو ينسيك أن العبور يعني الوصول من مكان الى آخر .. لكن من قال لي أن أعّرّف العبور هكذا ..؟! لم لا يكون العبور هو المكان الذي يصلح بين مكانين متخاصمين ..؟! سرعان ما أتراجع عن هذا و أقول إن العبور هو الذي يفصل بين الأماكن .. و لكن لولا الإفتراق، لما علم أحد العبور ..

في السهل الذي بين منزلنا و المدرسة ما إن زل لساني فقلت لعادل:

-         على تراب الطريق .....

حتى ثار هو كالحليب على النار و قال لي:

-         ياله من كلام فارغ ..!! يجب أن تقول على الطريق، لأن الطريق هو التراب نفسه .. أتظن أنها من حديد و وضعوا عليها التراب ..؟!

-         ليس كلها تراب .. لو نحفر كثيراً، نصل الى الماء و لا يبقى التراب.

-         لكنها عندئذٍ يقال لها بئر و ليس طريق .. نحن نتحدث عن الطريق.

عبرنا أو لم نعبر، فهناك في الطرف المقابل نمر تحت مظلات دكاكين السوق .. هذا يعني اننا الآن قريبون من بيت ذلك الرجل الذي يشبه طفلاً .. لا يبرح مشهد النعش و الدراويش مخيلتي .. و إذا برح، فسأعيده بنفسي .. أتلذذ بإخافة نفسي .. مثل تلك الليالي التي كانت الساق تعود من المقبرة و تقفز من السور الى باحتنا .. الجأ الى مئات الحيل كي أجعلها تتوارى عن نظري، لكن بكل بساطة كنت أعيدها .. (الدم) كان يقطر منها.. ثم شيئاً فشيئاً كل شيء أصبح يشبه حزم الضوء الدقيقة التي تخلفها الشمس بعد الغروب، و تذوب مثل شعر البنات على وجه السماء الداكن .. كنت آمل في يوم من الأيام أن أصل بطائرتي الورقية الى هناك و أصبغها بذلك الشعاع .. طعم الخوف لا يشبه أي طعم آخر .. أعرف هذا و لا أستطيع أن أخبر أحداً بذلك .. لا، كم من مرة أردت أن أدير وجهي عن النعش و الدراويش، لكن لم استطع ....

عجوز معه ديك رومي فحل .. شّد رجليه بقطعة قماش .. ها هو أمامنا ينقل بارتجاف ساقه الدقيقة من احجار العبور ويترنم صاخباً .. ويرقص على اسلوبه و يشتم .. في تلك اللحظة قبل أن نصل الى أحجار العبور قال أنه يظن ان شيخاً كبيراً جدا قد توفى .. كان يشتم لأن فتى في الرابعة عشرة او الخامسة عشرة من عمره قال مقهقهاً بصورة غريبة، (لا أعرف لماذا أردت أن أقلده) :

-         عظام الدنانير مزقت أمعاءه

إنحنى الرجل العجوز ليلتقط حجراً كي يضربه، فهرب الفتى .. فرمى الحجر نحوه ، مع علمه أنه لا يمكن أن يطاله .. وجه مئات الشتائم الى والديه .. كل شتيمة كانت تبدأ بـ (عظام الدنانير ) .. (عظام الدنانير ..... ) .. ولشدة ضمه صاح الديك الرومي الذي تحت ابطه فشرع بضربه .. و وجه اليه عشرات الشتائم أيضاً .. قال لنا بان مئات الأشخاص قد تابوا على يد هذا الشيخ .. لا أدري ما هي التوبة و لا كيف هي ..؟! لكن كيف يستطيع الإنسان أن يتوب على يد أحد ما ..؟! يعقل أن يحط طير على يدي، يجوز أن أكتب أطول درس في كتاب (الف و باء) الصف الأول على ذراع صديقي (رزﮔﺎر)، لكن كيف يتوب رجل على يد رجل آخر ..؟! كيف يسعه المكان ..؟! عينا (الخالة ﮔﻭلبةهار) مثل عيني الديك الرومي كأنهما قطرتا زيت طافتا على الماء .. تقطع الطريق بحزن و أسى .. حذائها الصيفي، الذي كان بابوجاً إيرانياً .. يتقاطر منه الماء .. أحياناً تضع شفتها السفلية تحت أسنانها و تعض عليها .. لديها كلام تقوله لـ (عادل سليم) .. لكن من هو (عادل سليم) ..؟! بين الحين و الآخر كان العجوز يضع الديك و يرتاح قليلاً، لكن سرعان ما يأخذه و لا يريد أن يفترق عنه .. و باسلوبها الخاص سألته أمي:

-         إذا كنت تحب ذلك الشيخ الى هذا الحد، فلم لم تلحق بأولئك الدراويش ..؟!

-         الديك الرومي منعني.

-         هلا أخذته معك أيضاً.

نظر العجوز الى الديك الرومي و ضحك ، فتجلّت أكثر تجاعيد وجهه التي تشبه فتيلة السراج.. ظننته يريد أن يقول لأمي ضاحكاً كيف يمكن  أن يأخذ هذا المفضوح الى هناك .. مع كل صيحة يطيل عنقه متراً صارخا : عليقول قول قول .. عليقول قول قول .. تدّوي داخل القبر الخالي للشيخ و يغير سمات الجميع .. و ربما كان يقصد شيئا آخر لم أفهمه أنا ..

(الحاج رمضان الريحاني) مالك دار (عادل) يدجن عشرات الديوك الرومية في قطعة الأرض التي بجانب بيتهم وقد سيّجها بسور..  حفيده (أمير) أخبرنا بأن جده قد خصى جميع الفحول .. وان لم يكن مثل لنا بالإشارة ما عرفنا معنى المقصود بـ " خصي " .. خوفنا وتأملاتنا لم تمنعنا من أن نسأله لماذا فعل بهم ذلك .... يجيب باسلوبه الساخر لكي لا يفضوا الى الإناث فيضعفوا و لكي يقللوا الحركة و يناموا أغلب الأوقات.. سيحتاجون إلى  القليل من الأكل لكي يكون فيهم أكبر كمية لحم .. أنا لا أدري لماذا مع كل هذه المداراة ، اجد نفسي اشمأز من ديوك (الحاج رمضان الريحاني).

ضيعنا العجوز .. بل نحن ضعنا منه .. هكذا هي السوق .. تشوش الأمور .. كان قال لأمي أن ديكه لديه قصة عجيبة سيخبرنا بها .. وسط هذه الزحام و الصخب ليس من السهل أن تروي قصة حتى نهايتها .. من يظن أن (الخالة ﮔﻭلبه هار) تستطيع أن تروي قصتها لـ (عادل سليم) ...

(أمير) حفيد (الحاج رمضان الريحاني) كان يعرف جيداً لو أن جده طرد بيت (عادل) من داره، خوفاً من أن تهدمها الأرانب ، فإنه و عماته كانوا سيُحرمون من مشاهدة التلفاز و عليه أن يذهب شأنه شأن معظم أطفال المحلة الى كازينو (فاطمة الخبازة) و يتفرج هناك بخمسة فلوس .. عندها كان يأتي جده و يعود به الى المنزل بعكازه .. بعد أن يكسو شاشة التلفاز بالبصاق .. لكن (أمير) أخبرنا أكثر من مرة أنه ما إن يموت جده، حتى يشتروا تلفازاً في الحال .. الى الآن لم أرَ أحداً مهووساً مثله بالتلفاز .. يعرف أسماء جميع الممثليين السينمائيين .. يقلد معظمهم .. و بصوته يؤدي الأغاني بطريقة تثير الإعجاب .. كان يؤكد دائماً على أن (نجيب الريحاني) هو ابن عم جده .. كنّا نعلم بأن الممثل الذي يُعد مؤسس السينما المصرية كوردي و قد هاجر أبوه التاجر من (كوردستان) الى (مصر)، حتى إذا دققت النظر فيه تدرك أنه يشبه رجال (محلة سيداوة) فهو مثلهم، ترى السعادة تخيّم على وجهه في قمة الحزن و في قمة السعادة ترى الحزن يكسو محيّاه، رغم ذلك لم يكن من السهل أن نصّدق أنه إبن عم جدّه .. حتى و إن كان لديهما اللقب ذاته .. أين هذا من ذاك..!! ... يوماً بعد يوم يزداد أمير بغضاً لجده .. كان يقول فيما عدا (الريحاني) الذي يصلح كلقب لممثل قدير، و الاّ فان زرق الديك الرومي أفضل منه .. و كثيرا ما كان يلقي باللائمة على جارنا (العم جبار) .. يقول هو الذي أخبره ما إن يحل الظلام، حتى يعرض هذا التلفاز نساء عاريات .. في الشتاء كان جده يجلس عدة ليالٍ على سطح منزلهم ينظر الى هوائي التلفاز منتظرا أن يرى أولئك النسوة تحط عراة في الليل عليه كما تحط الطيور عليه في النهار ، بعدها يصاب بمرض فتاك و لكنه ينجو من الموت ، لكن (العم جبار) ما لبث أن أفهمه أن الأمر في الداخل .. لم نعلم هل هذه حقيقة أم أن (أمير) قد ألفّ ذلك من تلقاء نفسه، فذلك كان متوقعا منه على أية حال ، على أن ما كان جلياً لنا هو أن (الحاج رمضان الريحاني) يعادي هذا الجهاز للغاية .. و كان (أمير) يحلم باستمرار باللحظة التي تفارق فيها الروح جسده في فراشه البالي، أو أن تنزلق قدماه أمام باب الدار و يقع على ظهره على الأرض الصلبة، لكن خطواته النشطة لم تبّين أن حلم حفيده من الممكن أن يتحقق بسهولة ، فما كان يمسك بعكازه إلا من أجل أن يكون مخيفاً ليس الا. حين كان يذهب الى بيت (عادل) و يضرب به الباب و الجدران بقوة .. أو كان يرمي به بكل ما أوتي من قوة نحو الأرانب .. أنا سمعت مثل كثير من أطفال المحلة بأن (أمير) ينوي أن يخنق جده و هو نائم في إحدى الليالي أو أن يضع له سم الجرذان في الطعام .. هذا البغض الذي يكنه لجده، كان هو الذي يساعده على تقليده بأفضل ما يمكن .. و هذا كان بحد ذاته تمريناً، حين يصبح ممثلاً في المستقبل، أن يلعب دور عجوز عنيد عدواني ... إذ إنه كان يخطط دائماً كيف ينّمي نفسه من الآن لكي يرحل بعد عدة سنوات، حيث في البداية يذهب الى (مصر) كي ينال الشهرة، ثم من هناك يسلك الطريق الى (أميركا) و يعود بفضل أفلامه المتتالية إلى وطنه بعد تحقيق ما يطمح اليه من شهرة .. كان يركض على سياج باحة مدرسة (القاضي محمد) رافعا يديه الى السماء.. و كثيراً ما كان يطلب من الآخرين أن يوثقوهما له خلف ظهره ليذهب متعرجاً من هذه النهاية الى تلك .. سقط عدة مرات، فأصيبت ساقه، أو انكسر واحد أو أثنين من أضلاعه، و لطالما تخدشت جبهته، لكنه اعتاد الأمر في النهاية.. كان يتسلق سلالم خزان الماء العالي في (سيداوة) و يبدو بحجم حمامة .. يتكلم من هناك بصوته المدوّي كممثل قدير.. كانت حياته في خطر مستمر .. لم يكن أحد يعلم كيف سيتخلص منه .. و في احدى المرات ألقى بنفسه تحت عجلة سيارة مسرعة، أراد أن يمثل أنها صدمته ، أوشكت تلك (الدوج) أن تسويه مع الارض .. إصفّر وجه السائق .. كان شاباً نحيلاً .. يرتدي قميصاً أبيضاً و بنطالاً أسودا، نزل من سيارته وسأله:

-         لماذ فعلت ذلك يا إبن ....؟!

أجاب أحد أصدقائه:

-         هذه تمثيلية .. بعد سنوات سيذهب الى مصر و يصبح ممثلاً.

اشتد غضب السائق أكثر:

-         اليس من الأفضل أن يرسل أمه أولاً لعلها، قبل أن يصل هو، تجد له مكاناً جيداً في الملاهي هناك ..؟!

أجابه ابن خالته (مازن أحمد) و الذي كان أكثر شخص يشجعه ليكون ممثلاً :

-         أنت الآن تسخر ، لكن سترى في يوم من الايام كيف سيقّبّل الفتيات الجميلات مثل نجيب الريحاني، إبن عم جده،.. ستحدق بعينيك و تشاهده في التلفاز.

-         لتذهب الآن أمه لتكون مثل هند رستم بنت خالتها، و هدى سلطان، بنت خالها، و تكون في حضن رشدي أباظة في أحد الأفلام و يلاعبها عماد حمدي في فيلم آخر، ثم عندها .....

قال (مازن أحمد):

-         عندها ترفع خالتي رأسنا و رأس محلتنا أيضاً.

كان يجيد كل الأدوار .. الحزينة و الكوميدية .. كل ما كان يراه في الليل في بيت (عادل) يقوم بتقليده في اليوم التالي .. كان يبكي .. تسيل الدموع حقيقةً من عينيه .. كان يضحك .. يقهقه .. حتى يغمى عليه .. ثم فجأة يبدأ بالبكاء مرة أخرى ..

ما جعل (أم عادل) لا تمل منه بل أن تنظر اليه كواحد من أفراد عائلتها هو أنه كان الوحيد الذي يفهم كلام إبنتها المريضة .. اسمها (ريزان)، و لكونها تعاني من مرض مضن، كانت تُنادى في المحلة بـ (الفتاة المريضة) .. عمرها يقارب الرابعة أو الخامسة، لكنها تبدو كطفلة صغيرة .. كانوا يحضنونها باستمرار وهي تئن دائماً.. يوماً بعد يوم كانت عيناها تذبل أكثر فأكثر وجلد وجهها يتجعد .. و رغم فقرهم، كانوا يلبسونها ملابس جميلة و ملونة لكي يخفوا لونها الشاحب .. صنعوا لها ارجوحة من الحبل .. حيث يأرجحها والدها أغلب الأوقات.. كان يثبّت نفسه على عكازه و يدفعها بشكل مستمر .. يذهب اثناءها بخياله بعيدا فيشعر بالدوار و يقع على الأرض .. لم يكن بوسع كل هذه الاشياء ان تزيل آلام الفتاة المريضة، يأخذها (أمير) منهم، ويتجول بها .. كان يجعل من نفسه قطاً و كلباً و يقلد الحيوانات الأخرى .. يقلد اصواتها .. فيجعلها تضحك .. اعتادت عليه الى درجة انها تبكي حين يذهب .. كثيراً ما كانت تنام في أحضانه .. في اليوم الذي ماتت فيه (الفتاة المريضة)، بكى (أمير) بجد .. و حين ذات مساء انتقلت عائلتها من المحلة، علت وجهه ملامح لا يمكن أن توصف.. و لا أزال اتذكر ما قال:

-         أتعلمون كم فرخ أرنب لم تزل اعينهن مغمضة بقيت في الحفر التي سدّ فتحاتها جدي و أبي ..؟!

كممثل قدير .. وجدنا أنه كان يبكي على خسارته التلفاز و ليس على الأرانب ...

ليس من المستبعد أن نرى (أم عادل) في هذه السوق مع قفص الأرانب تعرضها للبيع .. منذ أن إنتقلوا لم أراهم .. قالوا أنهم أجّروا بيتاً آخر في (محلة سعدوناوة) .. لا أدري لماذا أشتاق جداً لرؤيتهم ..  ثمة في محلتنا مثل يقول: (عندما تشتاق لرؤية أحد، فانك تريد ان تتشاجر معه) .. كلاّ، لست أنوي مثل هذا الأمر، لكنني متأكد إنني سوف اخجل حين اتحدث معهم .. كما لو أنني إقترفت إثماً كبيراً بحقهم ..

رأيت سائق (الدوج) في حفل زفاف خالي .. لم يكن يشبه الرجل الغاضب في ذلك اليوم .. تبيّن أنه احد اقربائنا .. كان يروي الطُرف و الجميع يقهقه ضاحكاً .. منعني الخجل من أن أسأله : "ماذا حدث للصبي الذي رمى بنفسه تحت عجلة سيارتك و نجا من الموت..؟! " ربما كان سيسأل بدوره : " شق طريقه ..؟! أخذها بجد ..؟! وصل الى مصر ..؟!" لأنه لا يعلم ما جرى له .. لكن بين كل أولئك الكبار لا يوجد من يستمع الى طفل مثلي حتى و إن علموا أن معي قصة مثيرة أستطيع أن أرويها لهم حتى و لو بشكل متقطع ..

في حقيقة الأمر، أنا لم أرَ ما جرى له بأم عينَيَ .. حين وصلت، كان ستار المسرحية قد أسدل.. حتى الذين كانوا هناك، لم يكن في وسعهم إخبارنا بما شاهدوه بدقة .. هذه المرة، أحضر(مازن أحمد) ابن خالة أمير عجلة سيارة بحجم العجلة السابقة .. و أخذها الى المكان نفسه ثم سكب عليها النفط .. و أضرم فيها النار .. و بواسطة العصا الذي كان في يده، أشّرّ مكاناً قرب العجلة و سأل الصبية:

-         انه كان يقفز من هنا .. اليس كذلك ..؟!

-         اجل بالضبط من هنا .

-         و في كل مرة كان يصل الى الناحية الأخرى؟

-         أجل، لكن في المرة الأخيرة....

-         و أنا أقول هذا أيضاً .. لماذا تلك المرة فحسب .....؟!

-         لكن الرجل يقسم و يقول إنه لم يفعلها.. الأطفال يكذبون .. لقد جئت لأبعدهم و أطفيء النار.

-         ألا تقول بأنه هو الذي وضع قدمه امام قدمه و .......

ثم واصل (مازن أحمد):

-         اذن لا داعي لأن يقول للناس إنّ من يتبّع الشيطان، فان الله يدخله جهنم على الأرض و يجعله رماداً ..؟!

مع أن قطرات المطر توقفت، الاّ إن رائحة التراب لازال بمقدورها أن تقول لنا أن تغييراً قد حصل .. هذا التغيير الذي يبدو على ملامح السوق .. ربما يجعل معظم الناس يفكرون في ملابس الشتاء .. سقوف المحلات ينزل منها الماء الموحل .. ألاحظ الفواكه فوق العربات .. كل صاحب عربة يتغنى بما لديه.. إنفلق الرمان .. و كأنهم فتحوا أفواههم لكي يتكلموا .. هذه الحبات داكنة الحمرة عبارة عن مجموعة حروف كبيرة رطبة .. أستطيع القول أنهم يشبهونني .. تخرج أيدي النساء من تحت العباءة و بتلك الأنامل المتحركة يضعن الرمان واحدة تلو الاخرى في الزنبيل ..

غّير ما جرى لـ (أمير) ملامح محلتنا .. جلب وراءه أموراً عجيبة و غريبة .. جده (الحاج رمضان الريحاني) لم يعد كما كان عليه في  السابق .. سرعان ما إشترى تلفازاً .. يجلس أمامه كالصنم من الساعة السادسة حتى الواحدة بعد منتصف الليل .. يحبس انفاسه تماماً .. الاّ إذا قام ليّغير القنوات .. و " طق ، طق " يلمس الأزرار، و فيما عدا ذلك كما يقول (مازن أحمد) فانه يستند بظهره على الحائط متأملاً في التلفاز .. من (قناة كركوك) الى (قناة بغداد) و من هناك الى (الموصل) .. مرة كوردية و أخرى عربية .. و لا يفّوت فترة البرامج التركمانية .. لكن أفضل يوم لديه هو الجمعة، لإن البرامج تُبث من الصباح الى مابعد الظهيرة ....

فجأة تلتقي أمي بأثنتين من صاحباتها .. أنا أعرفهما .. فهما جيران بيت جدتي في (محلة الجمهوري) .. مثل كل مرة، و دون أن تلقيا بالاً للإزدحام، تقومان بممازحاتهما مع أمي .. تُهطلان عليها الكثير من الشتائم .. لكنهما فجأة تسكتان .. تحدقان في ملامح أمي .. ثم بغمزة عين تبعدان أمي عنا ... تريدان الحديث معها على إنفراد .. الآن أنا و (الخالة ﮔﻭلبه هار) نقف معاً .. تمسك بيدي لئلا أضيع .. يعتريني الخجل، لكني لن أكذب، أشعر أن  يدها خرطوم تسكب من خلاله كل حرارة جسدها فيّ .. حسناً، لم لا أقول إنها ينبوع و أنا جرة رطبة ..؟! نعم، أنا أشبه تماماً جرة صغيرة .. الآن امتلأتُ و ينسكب من فوقي .. أنظروا فيمَ أفكر .. ليسوا ملومين حين يعتبروني مجنوناً .. إذا أردت أن تجعل من حمامتين تتزاوجان ، عليك وضعهما عدة ساعات في عش.. طوال هذه الفترة، يقوم الذكر بنقر الأنثى، دون أن تبدي الأنثى أي استياء .. يضربها كثيراً، الى أن تخور كامل قواه و قواها، ثم يعشقها و يتزاوجان .. تعارف اليدين عكس تعارف الحمائم تماماً .. تبدءان بالسلم و تنتهيان بالقتال .. ها هي أمي تشير بيدها الى تلك الناحية و تقول للمرأتين:

-         نحن على عجلة من امرنا.. سنذهب.

هذه الإيماءة تدل على أننا على مقربة من بيت (عادل سليم) .. إقترب موعد رواية القصة .. ينتابني الخوف.. لا زالت يدي في يد (الخالة ﮔﻭلبه هار) طوال الطريق كان خيالي متشابكا مع الحمائم .. ربما قد نسيت هي أنها تمسك برسغي .. أشعر أن هذا الخوف هو الخوف ذاته في حلمي ليلة أمس .. لا أدري لماذا أنا من بين جميع طلاب الصف في مدرسة (إبن خلكان) التي في السوق الوحيد الذي لم يكتب الواجب البيتي .. يشدني المعلم من شعري و يرمي بي من فوق سطح المدرسة الى داخل الحشد .. يالغرابة هؤلاء الناس ..!! لماذا هم بدون رؤوس ..؟! حين تنظر اليهم، تجدهم أناسا عاديين، لكن بدلا من الرؤوس فإن لهم سبوراتٍ مكتوبا عليها أشياء غريبة مثل الرجمة .. أقرأها و لكن لا أفهم منها شيئاً .. يشتد خوفي .. أبحث عن أسماء - أمي، أبي، زوجة عمي، عمي، و جميع أقربائي - لكن لا أجدهم .. انا واثق من أنهم، هم الذين لا رأس و لا وجه و ملامح لهم، لا يعرفونني، لكني لا استسلم. ثم فجأة في بداية أحد الشوارع أعرف بأنني عارٍ .. ربما تطايرت ملابسي مع اليدين القويتين للمعلم، عندما رمى بيّ من فوق .. و الآن لا أعرف هل أنا سعيد لأن رؤوس أولئك الناس قد تحولت الى سبورات و بذا لا يستطيعون رؤيتي عرياناً أم لا ؟؟ .. لكن الخوف الذي كان كلهيب مستعر يشتد فيَ اكثر فأكثر.. هم يقطعون الطريق دون أن يصطدم أحد بالآخر، أما أنا فمن خوفي أزيح عني هذا و أصطدم بذاك .. أُخرج جسدي العاري من تحت أرجل هذا، و يركلني الآخر دون قصد بقوة .. خلف مجموعة براميل و علب الدهون و الدبس و قناني العسل المتراصفة، يمسك (أبو عادل) بآلة تصويره الشمسية و يخرج .. يركل الجميع فيرميهم وسط (شارع باتا) و يهز السوق برمته .. تغلق المحلات أبوابها الواحد تلو الآخر .. بعضهم يتركه مفتوحاً .. يتزاحم الناس .. الرجال يخطفون عباءات النساء و يغطون أنفسهم بها .. مئات الأطباق و القدور و قناني البيبسي و الكولا و اكواب الشرب و علب نقود الأطفال تقع تحت الأقدام  فتتعثر بها الناس  .. تتكسر السبورات .. و تصبح آلاف القطع و تتناثر في المكان .. تنسكب سلة الأسماك أمام المحل بين الناس و تنزلق  مئات الأرجل النحيفة و الممتلئة .. عشرات النساء و الأطفال يسقطون على بعضهم البعض .. الرائحة الكريهة لأمعاء الأسماك التي التصقت بتلك الأرض الساخنة، تجعل العديد من الناس يغمى عليهم.. أكياس الفحم المتراصفة تنهار كجبل جليدي وبغبار أسود تعتم السماء .. تنقلب عربة الطيور الملونة لـ (داده كه ى) بائعة الطيور .. الواحد تلو الآخر على هذا الشارع الساخن تحت الأقدام تتحطم وتلتصق بهذا القار المستعر .. هم يُذهلون انفسهم بلا سبب .. (أبو عادل)، لا يكترث لأحد سواي .. يلاحقني في أزقة القيصرية و الشوارع المحيطة بالقلعة و هو يحمل آلة تصويره الكبيرة على كتفه .. يصل الي و يضع آلة تصويره أمامي، و لأن أحدى أرجلها مكسورة، لا يستطيع تثبيتها على الرجلين الأخريين .. فانتهز الفرصة و أهرب من جديد .. و هو يتبعني و يصيح:

-         توقف ..!! الى أين تذهب ..؟! سآخذ لك بعض الصور و أنت عارٍ ثم أريها لهؤلاء الناس.

جفول و صياح عال لحنجرتي يوقظني .. رواقنا، الذي فرشناه، لازال مظلماً .. شعاعات القمر الباهتة و الدقيقة تنير الى الحد الذي يجعلني أعرف بواسطة إشارات برتقالية بأنني في ظلام حالك .. لكي تُريَ أحدا ما الظلامَ  يجب أن يكون معك شيءٌ من النور .. لا أدري لم أفكر في هذا .. ليالي الخريف ذاتها تشبه أضغاث أحلام مستغرقة .. و كأنك في سفر .. حتى الرواق يتلون بلون ملامح الخريف .. و يهب هذا اللون نفسه للفراش والوسائد، الى درجة تدرك فيها إنك تنام فقط لترى بدقة أكثر و عن قرب الأوراق المصفرة المتساقطة، السُحبَ الشفافة الرطبة، و الأعاصيرَ اللولبية .. يتداخل الخوف في الحلم مع الخوف الخارجي .. أتناول بيجامتي بسرعة .. أجر رباطها و أفلته عدة مرات .. يضرب بخاصرتي و يهزها .. يضرب بخاصرتي و يهزها .. وأنا اتكوم واكور نفسي على بعضها تحت اللحاف .. أخاف، لكن حين أستذكر بالتفصيل أحداث و مشاهد و صخب ذلك السوق المتزاحم متلذذاً بهذا الموقف الرهيب .. الصق راحتي يدي و أخفيهما بين فخذي الملتحمين .. حتى الآن لا تهدآن .. أصابعي المرعوبة مثل الأرانب تحت رباط البيجامة و لباسي الداخلي يطفرون و يصلون الى الجهة الأخرى .. هكذا أنا .. لدي إعتقاد عجيب .. أعتقد أن الخوف قبل وصوله الى أي عضو من جسدي يصل الى يديّ .. يدي اليسرى في يد (الخالةﮔﻭلبه هار) و اليمنى في جيب بنطالي.. هو من القماش (البوبلين) المقلّم، خاطته لي جارتنا .. نسير في زقاق ضيق، مغلق في نهايته .. أشعر بأننا ضللنا الطريق و يجب أن نرجع أدراجنا .. رائحة غريبة تدخل أنفي .. بعد لحظات أدركت أن هذه رائحة لفرشاة الرسامين .. الرائحة هي من داخل خيالي .. أحد زملائي، الذي كان بيتهم سابقاً في محلة (خانقاه)، يرسم بأجمل ما يكون مثل هذه البيوت التي خلّفها  اليهود المهاجرون، يلونها بالأقلام الملونة.. هذه الرائحة تجعلني أظن أن هذه البيوت حقيقية .. أنسى ما حولي .. أسير في هذه الأزقة الضيقة المغلقة .. فجأة تطرق أمي أحد الأبواب، و بعد هنيهه تفتح الباب إمرأة يدها منقوعة بالرغوة .. تتعانقان .. و في الوقت نفسه، يأتي رجل من الداخل و ينظر الينا باستغراب .. عندما أدقق في ملامحهم و ملابسهم، أشعر أنهم لا يعيشون في هذا البيت، بل إنهم مثلنا قصدوا هذا المكان لفترة وجيزة ثم يتركوه .. و سرعان ما وصلت الى الاعتقاد بأن هذا البيت هو مكان لجمع قصص و أحداث أهل هذه المدينة .. و لهذا يقع في وسط السوق .. يصل الرجل الينا، و لازلنا منشغلين بالترحيب غير قادرين على أن نخطو عتبة الباب ، يتعرف على أمي و تظهر إبتسامة على شفتيه .. أول مرة أرى رجلاً يصافح النساء .. على لسان أمي أسمع اسم (السيد عادل) .. يرتعش جسدي .. هنا علمت إنني طوال الطريق ظننت إننا ذاهبون الى بيت (عادل) صديقي، لكن لم أستطيع أن أكشف هذا الإحساس المفرط حتى مع نفسي .. يد الخالة كولبةهار اليمنى تفلت رسغي و تصل الى يد ذلك الرجل .. ينتابني الخوف أكثر .. أنتظر أن تخرج يدها من يده، لتمسك برسغي مرة أخرى، غير أنها ترفعها الى عينيها و تمسح بها دموعها .. و وسط كل هذا الخوف و الذهول، تمتد يد الرجل نحوي، أنه يريد مصافحتي . المصافحة ..؟! معي ..؟! ليس من السهل ذلك .. و سرعان ما قالت أمي:

-         إنه يمد يده يا ولد ..!!

أنا أرى فقط يداً واحدة، وخلف هذا الخجل و الخوف، ألاحظ جميع خطوط و علامات و الوان تلك اليد، لكن لا أشعر أن تلك اليد ملتصقة بالجسد .. و كأنها خرجت من فضاء خفي،.. أنا لا أعلم كم شهراً كان عمري حين مشيت أول مرة و كم كان حين تكلمت، مع أن جدتي تفتخر بأنها لا تذكر طفلاً قد تكلم مبكراً مثلي .. لكنني على يقين إنني أحتاج الكثير من الوقت حتى يزول هذا الخوف الكبير و أستطيع ان أصافح رجلاً، و إن كان هذا الرجل بشوشاً و هادئاً .. و تواصل أمي:

-         أنه يمد يده يا ولد ..!!

لا أستطيع أن أقول لها أن لا أحد يمد يده، بل هناك يد ممدودة .. و صوت يقول:

-         أتركيه .. ليفكر .. إذا أراد، نتصافح .. و إذا لم يُرِد، لا شيء سيحصل ليدي.

و ببشاشة تحاول المرأة إدخالنا الى البيت، لكن أمي تعود خطوة الى الوراء و تقول:

      - نحن لا نجلس .. لقد جئنا فقط لندل﴿ ﮔﻭلبه هار على بيتكم و لابد أن نرجع .. سأزوركم أنا بنفسي.

لاتزال اليد ممدودة .. لو أعلم أن هذه المصافحة هي تذكرة تستطيع أن تدخلني لأستمع الى قصة (الخالة ﮔﻭلبه هار)، كنت سأمد يدي دون تردد .. لكن لا، ها نحن ذا نعود أدراجنا .. و مع إننا لوحدنا أنا و أمي، لا أتجرأ أن أطلب منها أن تحكي لي القصة، لأنني أخشى أن تشوش كل خيالاتي .. لا أستبعد أن تقول أحد هذين( العادلين ) قد مات و هو موجود فقط في مخيلتي.

انتهى                                                                                                  



* ) كلمة خوين تعني (الدم) في الكوردية الفصحى، لكن في بعض اللهجات العامية يطلق عليها (خين)، باستثناء لهجة قضاء (كويه) التي تكون فيها (خوون). (المترجم).

* ) كويه هي قضاء تقع  شرقي مدينة اربيل بـ 70 كيلومتر (المترجم).