مرت عشر سنوات ونيف على إنعقاد مؤتمر لندن للمعارضة العراقية والتي شاركت فيها أغلب القوى والأحزاب الفاعلة المعارضة لحكم البعث آنذاك وسط مقاطعة بعض الجهات بحجة أن المؤتمر تنفيذ لإرادة وأجندة أمريكية و مشاركة خجولة من شخصيات سياسية من المكون السني ،ومنذ ذلك الحين أدركت القادة الكوردية بأن هنالك توجساً سنياً من مرحلة ما بعد صدام حسين وحزب البعث والأسباب تكاد تكون معروفة للجميع ،فحاولت القيادة الكوردية و في مقدمتهم السيدين مسعود البارزاني وجلال الطالباني دعوة أسماء و شخصيات و جهات من المكون السني في سبيل تشجيعهم ليكونوا جزءاً من هذا الحراك السياسي إيماناً و إدراكاً منهم بضرورة مشاركة جميع المكونات والأطياف العراقية في رسم ملامح عراق جديد أو ماسمي آنذاك بكتابة وثيقة مشروع مرحلة إنتقالية .ولكن لم تجري الرياح الأمريكيةبما تشتهي سفن العراقيين و شنت الولايات المتحدة الأمريكية و حلفائها الحرب على صدام حسين ونظامه في ما سمي بحرب تحرير العراق والتي أصبحت في ما بعد دولة محتلة للعراق بقرار أممي وتنصيب (جي غارنر) بداية كحاكم مدني للعراق و بعدها تعيين السفير (بول بريمر) وقراراته الخاطئة و أولها حل الجيش العراقي الذي كان أغلب قادته من المكون السني ،وكان هذا القرار بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير و نشأت بعدها ما سميت بفصائل المقاومة بالظهور ضد الإحتلال الأمريكي والحكومة العراقية و تم جر البلاد نحو الحرب الأهلية إستمرت لسنوات ولم تنتهي حتى اليوم والتي قتل و شرد وهجر بسببها مئات الآلاف من العراقيين من جميع الأطياف والمكونات في العراق .

واليوم وبعد سنوات من الإنسحاب الأمريكي في العراق وتداعيات ما سمي بالربيع العربي و الوضع المضطرب في الشرق الأوسط عموما و مايجري في سوريا منذ أكثر من ثلاثة أعوام من حرب طاحنة بين قوات بشار الاسد و شبيحته بدعم من ايران وحزب الله ودول كبرى من جهة و قوى الثورة بدعم من تركيا و الولايات المتحدة ودول خليجية من جهة أخرى ،وعراقيا بقاء المالكي لفترتين متتاليتين و محاولاته المستمرة للبقاء لفترة ثالثة و إتهامه بالطائفية و إقصاء و تهميش الآخرين ...إتهام القيادات والرموز السنية بالإرهاب ومنهم نائب الرئيس طارق الهاشمي وإعتقال النائب أحمد العلواني بعد مهاجمته و قتل أفراد من حمايته و حربه ضد عشائرالأنبار ومطاردة رموزها و قائمة تطول من محاولات بسط السلطة والسيطرة على مقاليد الأمور ، و خلافاته المستمرة مع حكومة إقليم كوردستان حول مسألة تصدير النفط وعائداته و الميزانية و عدم إرسال المستحقات المالية ورواتب الموظفين لشهور مضت .ونتيجة لكل تلك الأخطاء حصل ما كان يجب أن يحصل ونقصد هنا ما حصل قبل أيام معدودات في الموصل أحد أكبر المدن في العراق وأحد أهم المعاقل السنية بداية وتلتها مدينة تكريت و مدن أخرى ،حيث سيطرت منظمة الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) على مدينة الموصل ملحقة هزيمة نكراء بقوات المالكي التي فرت وتركت ورائها المئات من الآليات العسكرية والحرب لايزال مستمراً على عدة جبهات ومنها مدينة تلعفر وبعقوبة و مدينة بيجي الإستراتيجية ومصفاتها النفطية...و أصبحت بغداد العاصمة على مرمى حجر من قوات داعش الإرهابية ، ووسط كل هذا إرتأت القيادة الكوردية عدم الإنجرار الى حرب طائفية لا ناقة له فيها ولا جمل ،حرب لا رابح فيها و الخاسر الوحيد يبقى هو المواطن العراقي معلنة بأن قوات البيشمركة ستكون على أهبة الإستعداد للدفاع عن المناطق الكوردستانية ومواطنيها مع التأكيد على ضرورة الوقوف بوجه الإرهاب من أية جهة كانت ، وأعلنت حكومة إقليم كوردستان و بالتنسيق مع الأمم المتحدة إستعداتها الكامل لتقديم كافة المساعدات الإنسانية الممكنة للآلاف من النازحين من الموصل و الأنبار والمدن الأخرى .ولكن وبالمقابل ماذا كانت ردود الأفعال تجاه الكورد من جهات من الجانبين السنة والشيعة بعد ظهور داعش وحتى قبلها ...أصبح الشعب الكوردي وحكومته في العراق بين نارين، فقبل أيام وفي مناسبة ليلة النصف من شعبان المباركة رأينا مجاميع شيعية تسب وتلعن الكورد وتخونه علناً متهميننا بأننا وراء مسألة ظهور داعش برمتها ؟! ونفس الإسطوانة المشروخة رددها قيس الخزعلي زعيم ما يسمى بعصائب أهل الحق فهدد وتوعد ، وفي الجانب الآخر الكثيرمن السنة بمن فيهم داعش يكفروننا و يهددون ويتوعدون ،فتارة نتهم بالإنفصال والتقسيم (وهو أمر سيقودنا اليه نوري المالكي و دكتاتوريته) وللتذكير فقط لمن نسي أو تناسى فمنذ 2006 الى الآن اي المدة التي كان فيها السيد نوري المالكي رئيساً لمجلس الوزراء وقائدا عاما للقوات المسلحة ووزيراً بالوكالة لعدة وزارات قتل أكثر من تسعين الف مدني عراقي ...فمن ياترى يتحمل مسؤولية الدماء التي سالت والأرواح التي أزحقت و من الذي سيتسبب بتقسيم العراق غير نوري المالكي .والذين يتهمون الكورد بالتقسيم والإنفصال ينسون أو يتناسون بأن إستقلال اي شعب هو حق من حقوق أي شعب تكفله الشرائع و القوانين السماوية والوضعية ، بل يتغافلون أيضاً عما فعله أنظمة وحكومات العراق المتعاقبة وخاصة حكومة البعث من عقود مضت من شتى أنواع القتل والدمار والتطهير العرقي وعمليات الأنفال والإبادة الجماعية وإستخدام الأسلحة المحرمة دولياً ضد المواطنين العزل وسياسةالتعريب والتبعيث وتدمير الآلاف من القرى في كوردستان خلال الحرب مع إيران ، ومع ذلك وبعد سقوط حكم البعث عام 2003 إختار الكورد البقاء ضمن عراق جديد عراق ديمقراطي فيدرالي تعددي ،والأغرب من هذا وذاك نتهم نحن بالعلاقة مع الكيان الإسرائيلي وهذا محض إفتراء ...وحتى لو كان هذا صحيحاً ،لاندري أوتريدوننا أن نكون ملكيين أكثر من الملك ، أنظروا فقط الى عدد الدول العربية التي يرفرف العلم الإسرائيلي في سمائها جهارا نهارا بداية من فلسطين والاردن و مصر وقطر والقائمة تطول ولكن وسط هذا العداء واللغط تجاه الكورد في العراق نكتشف بأن التعايش في العراق الجديد بين هذه المكونات وهذا التفكير والتوجه يكاد أن يصبح مستحيلاً ،وإن العراق الجديد لم يكن الا وهماً وسراباً وشعارات ،والديقراطية والشراكة والدستور مجرد كلمات وحبر على ورق .