إنتهت انتخابات مجلس النواب العراقي وظهرت النتائج وفازت قائمة دولة القانون برئاسة نوري المالكي برقم فلكي قياساً بالقوائم الأخرى وسط شبهات و إتهامات بالتزوير لصالح رئيس الوزراء الذي يطالب و مؤيدوه بإعادة تنصيبه رئيساً لولاية ثالثة ، إنتهت الإنتخابات ولكن لم تنتهي مشاكل العراق السياسية و الامنية ،فالعراق لايزال غارقاً في بحر من الأزمات بين المعارك الدائرة والمأساة الإنسانية والدمار الحاصل في الأنبار و سامراء وغيرها من المدن و مسلحي داعش و جرائمهم في كركوك وخانقين و جلولاء و سيطرتهم على مدينة الموصل إحدى أكبر المدن العراقية بعد بغداد و البصرة ومن ثم سيطرتهم على مدينة تكريت وغيرها من الأقضية والنواحي التابعة لهما في أيام معدودة وسط إنسحاب مذل لقوات الحكومية أمام المسلحين بشكل يثير الدهشة ، هذا ما آلت اليه حال البلد في ظل ولايتين لحكم نوري المالكي ...إحتراب و تخندق مذهبي و طائفي وسيطرة مليشيات و فلتان أمني والأخبار لا تتحدث سوى عن القتل والدمار و التهجير القسري وإعتداءات على حقوق الإنسان العراقي المغلوب على أمره و فساد مالي وإداري قل نظيره .

و وسط تكهنات بصعوبة بقاء المالكي لولاية ثالثة نظرا لخلافاته مع كافة المكونات و الاطياف العراقية ،العرب السنة والكورد والكثير من التيارات الشيعية و مراجعها ، ها هو المالكي يتخذ من إحتلال مسلحي داعش الإرهابية لمدينتي موصل و تكريت ذريعة لمطالبة مجلس النواب العراقي إعلان حالة الطوارئ ...مطلب لم يجد له آذاناً صاغية ..وحالة الطوارئ وكما هو معروف قد تتضمن سحب الصلاحيات من السلطات التشريعية والقضائية لمصلحة رئيس الوزراء ، ثمان سنوات و ولايتين في ظل رئاسة المالكي خلقت البيئة المثلى للمجاميع الإرهابية كالقاعدة و داعش وغيرها للنمو و الإنتشار بل إحتلال محافظات باكملها وحجتهم إنقاذ تلك المحافظات من الهيمنة الشيعية و سلطة نوري المالكي و جيشه الطائفي وفشله الذريع المتمثل بالفرار من ساحة المعركة دون مقاومة .وقد يسأل سائل بعد أن فر الآلاف من الموصل وقتل العشرات من المواطنين بنيران مسلحي داعش ،أين شعار المالكي (الدم بالدم ) الذي أطلقه قبل أشهر بعد حادثة قتل مدير مكتب إذاعة العراق الحر في بغداد على يد ظابط كوردي تابع للحرس الرئاسي التي كانت محاولة يائسة من رئيس الوزراء لخلق فتنة بين الكورد والعرب أراد من خلالها إدخال البلد متاهات ليخفي إخفاقاته المتكررة على مدى ثمانية أعوام من الحكم ، فأين قدسية دم المواطن العراقي وأين نوري المالكي اليوم من كل مايجري ،فمدن وأقضية ونواحي تسقط واحدة تلو الأخرى بيد منظمة إرهابية و المئات يقتلون و الآلاف يهجرون من منازلهم ، أين قواته وأين الجنرالات والجيش والعسكر وأين الخطط الأمنية لحماية المواطنين ،أم انه لا يهتم بكل مايجري و يرى فيها فرصة يستفيد منها سياسياً لبقائه على رأس السلطة من جهة و الإنتقام من المناطق السنية ورموزها كالموصل والأنبار من جهة أخرى لعل وعسى أن يتطور الصراع ويتم جر القوات الكوردية والبيشمركة الى حرب عبثية لا طائل منها والكل في غنى عنها .

سنوات طوال رأينا الكثير من الحاقدين يتهمون الكورد و قادته السياسيين وخاصة السيدمسعود البارزاني رئيس إقليم كوردستان بمحاولة تقسيم العراق ونيل الإستقلال والإبتعاد عن العراق ومشاكله متناسين الدور الذي لعبه كل من البارزاني والطالباني للحفاظ على وحدة البلد و الحد من إراقة الدماء و تقريب وجهات النظر بين سنة العراق وشيعته لسنوات مضت و نزع فتيل الحرب الطائفية ،ولكن مانراه اليوم بأن المالكي وبعد أن فشل أن يكون ممثلا وقائدا لكل العراقيين سيكون سببا رئيسيا لتمزيق العراق الى جانب التدخلات الإقليمية والجرائم التي ترتكبها المنظمات الإرهابية داعش وغيرها ،و إن كل ما يقوله المالكي وهم وشعارات لم تعد تنطلي على أحد ، فعدى إستقوائه بدولة إقليمية بعينها فالمالكي بغروره و عنجهيته وفشل سياساته جعلت العراق اليوم منقسماً أكثر من أي وقت مضى وعليه أن يتعلم من أخطاء ثمانية أعوام عجاف مضت و يعترف بالفشل ولا يستمر في محاولة البقاء في السلطة لولاية ثالثة وبسط سلطته و نفوذه وإلا فإن العراق الذي عرفناه منذ مايقارب القرن من الزمان أي منذ تأسيسه بداية عشرينيات القرن الماضي سوف لن يكون له وجود على الخريطة وتعنته لن يكون نهاية لحياته السياسية فحسب بل سيكون دق المسمار الأخير في نعش دولة إسمها العراق .فالبيت الشيعي منقسم الى حد كبير على نفسه بسبب الولاية الثالثة ، وأقرب حلفاء المالكي وفي مقدمتهم التيار الصدري يرفضون رفضا قاطعا بقائه لأربعة أعوام أخرى و علاقته بالمجلس الأعلى لاتبدو على ما يرام .فأين الموصل والانبار من سلطة المالكي وبينه و بين أحد أبرز القيادات المنطقة السنية (أسامة النجيفي) رئيس مجلس النواب العراقي ما صنع الحداد ، و القيادة الكوردية عازمة أن تقف بوجه المالكي بعد أن تعمقت الخلافات بينهما بسبب المسائل المتعلقة بالنفط و تصديره وعائداته و قطع رواتب الموظفي إقليم كوردستان لشهور مضت ، وفيما يتعلق بالدور الايراني و وقوفها الى جانب المالكي فيما مضى ، فإنها تدرك أن الهدوء في العراق في الوقت الراهن تصب في مصلحتها ولا تريد (على الاقل في هذه المرحلة) أن تراهن على حصان خاسر وإن كانوا لايزالون حلفاء حقيقيين لشيعة العراق و مصالحهم في العراق أكبر من الرهان على أشخاص بعينهم ، تتغير الوجوه و الأشخاص و لكن المصالح والسياسات الإستراتيجية ثوابت لا تتغير .